⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
المسلم له في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فالكون ليس مادة فحسب، بل الجانب المادي في الكون ميت إن لم تسرِ فيه الروح، ونحن نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بعث إنما بعث بهذه الروح التي تسري في هذا العالم، التي تأتي إلى كل خلية من خلايا جسم هذا الوجود لتنبض بحياة جديدة، وتتدفق فيها أحاسيس ومشاعر حتى ينسجم هذا الوجود مع الفطرة التي فطره الله سبحانه وتعالى عليها.
وقد حمل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأمانة، وحمل أصحابه رضي الله تعالى عنهم هذه الأمانة، ولم يستشعروا في ذلك الوقت أنهم أمام عالم يفوقهم حضارة، ويفوقهم قوة مادية، لا، بل شعروا بأنهم يحملون الروح إلى هذا العالم.
فنحن نرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان صلى الله عليه وسلم في المجتمع المكي أولًا، وكما تعلمون أن المجتمع المكي هو مجتمع ضيِّق، ثم انتقل بعد ذلك إلى المدينة المنورة، وطبيعة الحياة في المدينة لم تكن تختلف عن طبيعة الحياة في مكة المكرمة، بل الجزيرة العربية مع معظمها كانت الحياة فيها أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة، وكانت أقرب إلى البدائية منها إلى المدنية والتعقيد المدني، كانت حياة بسيطة، ولكن مع ذلك نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في هذا الموقع كان يخاطب عاهل الروم ويخاطب عاهل الفرس، يوجِّه خطابه إلى أهل الروم: «من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، وقل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللّٰهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّٰهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾» [آل عمران: 64].
بهذا المنطق يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم هرقل عظيم الروم، الذي كان خارجًا من حرب انتصر فيها على أكبر إمبراطورية في الأرض، وهي إمبراطورية فارس، ومع ذلك فإن عاهل الروم عندما قُرئ عليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم تصبب جبينه عرقًا، وقال لأبي سفيان الذي كان أمامه وكان يحاوره في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان أبو سفيان على شركه: لقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أعلم أنه منكم، ولئن كنت صادقًا فيما تقول ليملكنَّ موضع قدمي هاتين، ولو كنت أعلم أني أخلص إليه لغسلت عن قدميه.
هكذا أثر عليه خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه به، ومثل هذا الخطاب وجَّهه إلى إمبراطور فارس أيضًا، ووجَّه مثله إلى النجاشي، ووجَّه مثله إلى الحكام الذين كانوا يحكمون أطرافًا من الجزيرة العربية، هكذا يخاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا المنطق.
وعندما انطلق أصحابه انطلقوا إلى أرض فارس وأرض الروم، وكانت كل واحدة من الإمبراطوريتين إمبراطورية متحضرة، كانت في مقدمة العالم حضارة في ذلك الوقت، ومع ذلك عندما وطئ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأماكن، ماذا كانت رسالتهم؟ يجسد الرسالة التي بُعثوا بها كلام ربعي بن عامر رضي الله عنه، عندما رد على رستم بعدما سأله رستم: ما الذي جاء بكم؟ وكان رستم قائد الجيش الفارسي، وكان قد اجتمعت فيه عناصر الشر، ومظهر ذلك أن قلنسوته كانت بمئة ألف دينار، وكان قد حشد من مظاهر الزينة زينة الحياة الدنيا ما كان يتخيل أنه من خلاله سيتحلب لعاب ربعي بن عامر ومن معه عندما يرون هذه المظاهر، ولكنهم لم يلتفتوا إلى هذه المظاهر، ولما قال له: ما الذي جاء بكم؟ قال له: إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
نعم، هذه الرسالة التي كانوا يحملونها، فإذا المسلم الذي يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وله أسوة حسنة فيه، ويتأسى أيضًا بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، له أسوة سابقة في مثل هذه المواقف، عليه ألا يغترَّ بهذه المظاهر، العالم اليوم بأسره بحاجة إلى من ينتشله من الضياع، ومن يخرجه من المأزق، ومن يرفعه من هذه الكبوة التي نزل فيها.
نحن عندما نتلو آيات في سورة الإسراء نرى أن هذه الآيات كأنما أُنزِلت من أجل هذا العالم، من أجل إنقاذه مما هو فيه، وعليه من أجل تخليصه من هذه الورطة التي وقع فيها، من أجل النهوض به من هذه العثرة التي سقط فيها، هذه الآيات هي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا * إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا * وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا * ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: 23-39].
نحن نرى أن هذه الآيات ابتدئت أولًا بوجوب إفراد الله تعالى بالوحدانية، واختتمت بالتحذير من اتخاذ إله آخر مع الله سبحانه وتعالى، وهذا هو ملاك الأمر، لأنه إذا أخلص الإنسان عبوديته لله، فإنه سيخلص عبادته له، وسينسجم مع شرع الله تعالى الذي أنزله، وسيتفرع من ذلك بِرُّ الوالدين، والإحسان إليهما، ومراعاة حالهما في كبرهما، وكل ما يقتضي الإحسان إليهما، ثم مراعاة العلاقة ما بين الأقربين، وهكذا، وحسن تنظيم الإنفاق، إنفاق المال بين طرفي الإفراط والتفريط، بين التبذير والتقتير، وهكذا، ومراعاة الحقوق الأخرى، حقوق الأولاد، وعدم قتل النفس، وعدم قتل الأولاد إلى آخره، هذه حقوق، وهذه الجوانب مع الترفُّع عن الفحشاء، عن الزنا، والامتناع من جميع سفاسف الأمور، والامتناع من الظلم، وإعطاء كل ذي حق حقه.
هذه الجوانب كلها بحاجة أن تُعالَج في العالم المتحضر اليوم، بماذا العلاج؟ العلاج بهذه الآيات، بهذه الرسالة التي يحملها المسلم، ويجب أن يحملها إلى العالم بأسره، لينتشله هذا العالم من الضياع، ويرتفع به من هذه السقطة التي سقطها، ليخرج به من هذا المأزق الذي وقع فيه، إذًا المسلم عنده ما يقدمه للعالم لو أحسن تقديم ذلك إليه.