⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
التشريعات الوضعية – سواء كانت في مختلف أقطار العالم – أيضًا تهدف إلى تحقيق المصالح العامة، سواء كانت ضرورية أو حاجية أو تحسينية، للإنسان بما يُتاح لها من وسائل. فما الفرق بين المصالح المرسلة أو مصالح الشريعة الإسلامية، والمصالح في التشريعات الوضعية الأخرى؟
أحسنتم، قد تلتقي وقد تفترق. أما التقاؤها ففيما لا يعارض نصًّا شرعيًّا؛ لأن من ضوابط المصلحة المرسلة في دين الله تبارك وتعالى ألا تعارض نصًّا من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم إنها – فيما يتعلق بغير ما فيه معارضة لشرع الله عز وجل، لشرعه الحنيف – فإن الأنظار تتفاوت: إذا كانت هذه المصلحة موافقة لروح الشريعة، محققة لمقاصد العباد، دائرة في هذا الإطار العام الذي يحفظ تلك المقاصد – أي للإنسان والحياة الكريمة – فإنها حينئذٍ ستلتقي أيضًا مع الأنظمة والتشريعات والاجتهادات البشرية الداعية أيضًا إلى مصلحة هذا الإنسان. نعم، ويُعَدّ من هذا الباب الكثير من التشريعات المتعلقة – على سبيل المثال – بأنظمة المرور، أنظمة تخطيط السكان، تخطيط المدن، بعض ما يتعلق أيضًا بالعلاقات الدولية، بعض ما يتعلق بتفاصيل أنظمة الحكم وممارسة الشورى؛ فقد تلتقي؛ لأنها تهدف إلى مصالح هذا الإنسان. نعم.
في الجوانب الإدارية – على سبيل المثال – يُستشهد كثير من مَن يقول بالمصالح بالطائفة مما أدخله سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه، فيما يتعلق بتدوين الدواوين، فيما يتعلق بالتنظيمات الإدارية أو الترتيبات الإدارية التي أحدثها، وقد أخذها رضوان الله تعالى عليه أيضًا من واقع الحضارات المجاورة للمسلمين في ذلك الوقت. نعم، فقد تلتقي في هذه الدائرة طالما أنها لا تتعارض مع نص شرعي، لا تتعارض مع حقيقة الدين والعبادة لله عز وجل.
من الأمور – هناك أمران أيضًا يجب أن يُنتبه إليهما في هذا السياق:
الأمر الأول: أن أغلب العبادات – أي الشعائر التعبدية – هي مما لا دخل للمصالح المرسلة فيها، وإنما يكون ذلك في باب المعاملات بأنواعها، سواء كانت معاملات تتعلق بالأحوال الشخصية، أو تتعلق بالمعاملات المالية، أو العلاقات الدولية – أي نظام الحكم والسياسة الشرعية – أو بالنظم الاجتماعية. الحاصل أن باب المصالح المرسلة يتصل بهذه الأبواب دون أبواب العبادات.
اللهم إلا – وهذا هو التنبيه الثاني – فيما يتعلق بجانب تغفُله هذه الأنظمة الوضعية التي تُسألون عنها، وهو جانب تلبية الحاجة الفطرية لهذا الإنسان في الزاد الروحي الذي يشكِّل له هويته الإنسانية ويصبغ له خُلُقه وسلوكه في هذه الحياة. ولذلك نجد أن آيات الكتاب العزيز تنص على هذا المعنى حتى في الشعائر التعبدية؛ فالله تبارك وتعالى يقول في معرض الأمر بالصلاة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، ويقول في معرض بيان الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]، ويقول في الحث على إسعاف الفقير والمسكين: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1-3]، ويقول في بيان المنهيات التي حرمها ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91]. نعم، وهذا منتفٍ عن الأنظمة والتشريعات الوضعية.
والله تعالى أعلم.