⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لنذكر الحديث أولًا؛ فالحديث ورد لروايات عديدة، أشهرها من طريق أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، أنها قالت: قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام: «ليس بكذاب هذا الذي يسعى للإصلاح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا»، نعم. ثم قالت: وليس شيء مما يعده الناس كذبًا، وليس كذبًا مما يعده الناس كذبًا، وقد رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام مما يعده الناس كذبًا في ثلاث: في الإصلاح بين المتخاصمين، وفي الحرب، وفي حديث الرجل لامرأته، وحديث المرأة لزوجها. نعم.
هذه هي الحالات التي ورد الاستثناء بها في مجموع الروايات التي وردت في هذا الموضوع؛ لأن هناك روايات عديدة، وطرقًا عديدة، إلا أنها تتفق على الاستثناء من الكذب، وسنأتي على حالات الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الرجل لامرأته، وحديث المرأة لزوجها.
نعم، لا بد أن نفهم أولًا أن هذه رخصة، والرخصة إنما يُلجأ إليها حينما تتعذر السبل الأخرى؛ فليكن معلومًا واضحًا أن هذا الاستثناء إنما هو في الحالات التي يتعذر فيها اللجوء إلى الصدق والوضوح والبيان، وما تستدعيه الخلال التي أُمر بها هذا الدين؛ فتتعذر تلك الوسائل، فرُخِّص في اللجوء إلى، أو استُثنيت هذه الصور من الكذب.
وهي أيضًا بعد هذا الاشتراط الأول، مع اتفاق الفقهاء على جوازها، إلا أنهم اختلفوا، وتلخيصًا لخلافهم: فإن من الفقهاء من يقول بأنها سُمِّيَت كذبًا تجوُّزًا، وإلا فحقيقتها أنها ليست من الكذب في شيء، إلا أنها فيما يعده الناس هي من الكذب؛ ورأوا أن الواجب على المسلم أن يسكت عن السوء والشر، وما يُذكي الخصومات أو يكشف العورات، وأن يذكر ما يعلمه من خير فقط، وهذا لا يُعد كاذبًا؛ لأنه لا يُنسب إلى ساكتٍ قولٌ. نعم.
إذًا المعنى الأول: هو أن يسكت عما يعلمه مما لا يعين على تحقيق المصلحة ودفع المضرة، أن يسكت، وأن يذكر ما يعلمه من خير فقط مما يستدعيه الموقف.
والقول الثاني: أن المقصود من ذلك التلويح والإيماء، لا يقصد حقيقة الكذب، وإنما يقصد أن يقتصر على التلويح وعلى الإيماء. وهذا قالت به طائفة أيضًا من العلماء، وقالوا بأنه سُمِّيَ كذبًا تجوُّزًا، وإلا فهو من المعاريض التي قال عنها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن لكم في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ووردت مثل هذه المقولة أيضًا منسوبة إلى عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما.
فهذا من المعاريض، والمعاريض تعني: أن يتحدث بكلام يُوهم ظاهره أمرًا، إلا أنه يحتمل في باطنه وفي حقيقته معنى آخر هو الذي يقصده المتحدث، إلا أن السامع يتبادر إلى ذهنه المعنى الآخر، المعنى الظاهري الذي يريده هو. هذا من المعاريض، وهذا له نماذج كثيرة، كما في قصة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه أبي بكر في غزوة بدر حينما لقي أعرابيًّا، فسأله عن مياه بدر، وعن تحركات أهل مكة، وسأله بعد ذلك: من أين أنتما؟ فقال له عليه الصلاة والسلام: «من ماء»، وأعرض عنه، فظل الرجل يكرر: من ماء؟ من ماء العراق؟ من ماء كذا؟ لم يعرف من أي ماء، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدل إلى المعاريض.
وفي حادثة الهجرة، أبو بكر الصديق حينما سئل عن من كان معه –عند من يثبت هذه الرواية– فإنه قال: هذا هادٍ يهديني السبيل، وهو يقصد سبيل الهداية إلى الصراط المستقيم، إلا أن السامع ظن أنه يرشده في طريقه إلى المدينة. نعم، هذا من المعاريض.
وكان يقول: بأن فلانًا ذكرك بخير، وقد حصل في مرة من المرات أنه ذكره بخير، أو أن يقول: بأن فلانًا يدعو لك، وهو يشير إلى أنه كان يدعو للمسلمين، وهذا من جملة أهل القبلة، صحيح. فهذه هي المعاريض؛ إذًا هذا هو التأويل الثاني، أو القول الثاني: أنه لا يُراد من ذلك حقيقة الكذب، وإنما يُراد الإيماء والتلويح.
والقول الثالث: هو أن هذا الاستثناء إنما هو في الكذب، في حقيقة الكذب، فهو أمر استثناه الشارع ورخَّص فيه، وهذا أيضًا قول طائفة كثيرة من أهل العلم، واستدلوا له أيضًا بجملة من الوقائع التي أذن فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبعض الكرام؛ كقصة محمد بن مسلمة في حادثة مقتل كعب بن الأشرف، وإذنه له عليه الصلاة والسلام في أن يقول ما يعينه على تحقيق الغرض الذي بعث من أجله محمد بن مسلمة ومن كان معه من المسلمين، وذلك بعد أن خان كعب بن الأشرف، نقض العهد مع المسلمين، مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولبَّ عليهم المشركين، ودلهم على عورات المسلمين، فحينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لكعب بن الأشرف؟» ...
وكما في إذنه أيضًا عليه الصلاة والسلام للحجاج بن علاط السلمي لما أراد أن يستنقذ ماله من أهل مكة على إثر غزوة خيبر، وأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي عمد إليه الحجاج بن علاط كان كذبًا صريحًا، لأنه قال لأهل مكة: بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قد هُزِموا، وأن اليهود تغلبوا عليهم، وأنهم أسروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأراد أن يستنقذ ماله، وأوهمهم أنه يتاجر مع اليهود، إلا أنه صدق مع العباس بن عبد المطلب، لما سارَّه، فصدَّقه وأخبره حقيقة انتصار المسلمين وزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من صفية، واستكتمه هذا الخبر إلى مضي ثلاث ليال حتى لا يلحقه أهل مكة، وبعد ثلاث ليال خرج العباس بن عبد المطلب وطاف بالبيت وهو في حلة بهية، ونشر الخبر. نعم.
إذًا هذه حالات أذن فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالكذب، ولا بد من الاقتصار عليها.
ومع هذا كله، فيما يتعلق ببعض هذه الصور لا بد أن يُضاف إليها شروط مع الشروط المتقدمة –وبقطع النظر، لأن مؤدى هذه الأقوال واحد– الذي ينبغي عند التطبيق أن يتدرج الإنسان؛ يعني لا يلجأ –حتى مع وجود هذه الرخصة– إن كان في السكوت عما لا يحقق المصلحة كفاية، فينبغي له أن يقف وأن يذكر ما يعلم من خير، فإن لم يُجدِ ذلك نفعًا فيمكن له حينئذ أن ينتقل إلى المعاريض، وأن يوري، وألا يكذب كذبًا صريحًا، فإن لم يُجدِ ذلك نفعًا فالرخصة حاصلة.
لكنها مع ذلك –فيما يتعلق على سبيل المثال بالصلة بين الزوجين، وهذه قضية مهمة حساسة– لا يصح أن يكون في هذا الكذب، سواء كان صريحًا أو كان إيماءً، أن يكون فيه إسقاط لحق، أو أخذٌ لما لا يستحق من أي من الأطراف، وهو إنما رخصة –كما تقدم– عند الاحتياج إليها إن لم يكن عند الاضطرار إليها، لا تكون العشرة بين الزوجين مبنية على الكذب في كل الأحوال، وإنما عند الاحتياج إليها لإزالة سبب لخصومة أو لإدخال شيء من السرور، أن يُلجأ إليها لإصلاح ذات البين وفقًا لهذه الضوابط والشروط، مع التأكيد على أنه لا يصح أن يكون فيه إسقاط لحق لا من الرجل للمرأة ولا من المرأة للرجل، وألا يكون فيها أخذ لما لا يستحق الإنسان، ولا يكون فيها تضليل أيضًا.
وفي الحرب –على سبيل المثال أيضًا– مما يُشترط في الحرب: ألا يكون فيها خيانة لعهد، وألا يكون فيها غدر، أو ترك للوفاء بوعد، كل هذا لا يصح، وإنما «الحرب خُدْعَة» كما قال عليه الصلاة والسلام؛ فيُباح فيها من الإيماء والتمويه والكتمان والتورية ما لا يُلجأ إليه في حالة السعة، وتكون أثناء الحرب، عندما تكون مشتعلة...