⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. نعم، أما بعد، فجوابًا على هذا السؤال نقول: بأن السواد الأعظم من المسلمين اليوم للأسف الشديد أمسوا في صلتهم بالقرآن الكريم على أصناف شتى، نعم، لكنهم في أغلب أحوالهم لا يجدون ما أودعه الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم من أسباب الهداية، ومن البيان، ووجوه الإعجاز، نعم.
وهذا في نظري القاصر هو من أهم ما يواجهه المسلمون اليوم، ذلك أنه مؤذن بانتكاس الصلة بينهم وبين كتاب ربهم.
وأنا هنا لا أتحدث عن صنفين من الناس: الصنف الأول هو صنف العلماء الراسخون في العلم، فهذا الوصف لا يسري عليهم، لكن الحديث موجه إليهم؛ لأن الخلل طرأ عليهم في إيصالهم لما تمكنوا منه من تذوقهم لكتاب الله عز وجل وتدبرهم في معانيه، واستشعارهم لوجوه البيان والإعجاز فيه، من عدم إيصالهم لكل ذلك إلى الناس. نعم، لكنهم من حيث صلتهم بالقرآن الكريم فإنها صلة على النحو الذي ينبغي، وهذا صنف خاص جدًا من الناس، وهم ندرة نادرة، نعم، للأسف الشديد فإنه لا أثر لهم في الواقع إلا فيما ندر.
والصنف الآخر الذي لا نتحدث عنه هم أهل النفاق، الله أكبر، الذين لم يجدوا شيئًا في كتاب الله عز وجل، ولا يهمهم أمر دينهم، ولا يولون كتاب الله عز وجل أي عناية، ولذلك فإنه لا غرابة أن صدر منهم ما فيه تنقص من أحكام آيات الكتاب العزيز، أو من القرآن العظيم نفسه، أو من وجوه بلاغته وأسرار بيانه وجوانب الإعجاز فيه، بل إن أغلب هؤلاء بلغ بهم الحال إلى حد الإلحاد، الله المستعان، فلا كلام معنا اليوم لهذين الصنفين، إلا في إثبات ما ينطوي عليه القرآن الكريم من أسباب الهداية، وإثبات حقيقة ما أودعه الله تبارك وتعالى فيه حينما قال: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، وحينما قال: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وحينما قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]، نعم، وحينما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]، نعم.
فالسواد الأعظم – وهم الذين نوجه حديثنا إليهم اليوم، ومنهم الشباب، نعم – نجد أنهم للأسف الشديد وضعوا حاجزًا بينهم وبين كتاب الله عز وجل. منشأ هذا الحاجز، أو يتمثل هذا الحاجز، في ظنهم أن هذا الكتاب صعب، معقد، لا يستطيعون فهمه، وهذه من أهم الحجب التي حالت بينهم وبين التعامل مع القرآن الكريم. فهم يرون أنهم غير مؤهلين لفهمه، وأنهم لا يعرفون كيف يتعاملون معه. صحيح أنهم في الجانب النظري يؤمنون بالقرآن العظيم، وأنه وحي من عند الله عز وجل، وأنه معجز، وأنه متعبد بتلاوته، لكنه مستغلق على أفهامهم، نعم.
وصنف آخر، وقد يشترك معهم أهل الصنف السابق، يظنون أنه خاص بالرعيل الأول من الصحابة والتابعين، ومن سار على سيرهم في علمهم وتقاهم وهدايتهم، وأما الأجيال المعاصرة فهي بعيدة المناط – نعم – بكتاب الله عز وجل، وبما يشتمل عليه من هدايات، ومن أسرار ووجوه إعجاز وبيان، نعم. فالصنف السابق يرى أن هناك صعوبة وتعقيدًا، وأنه يستغلق على الأفهام، نعم، وهؤلاء يرون أن هناك فجوة تاريخية، وأنه خاص بالرعيل الأول الذي تنزل فيه القرآن الكريم، والذين عاصروا أولئك الذين تنزل فيهم، ثم ضعفت هذه الصلة تدريجيًا مع مرور الزمن.
وآخرون يجدون أن القرآن الكريم فيه قدر من الشدة والغلظة، لا لأنهم يجدون ذلك في القرآن، وإنما لأن أهل القرآن الذين يرونهم في واقعهم المعاصر هم كذلك؛ فيهم قسوة، فيهم غلظة وشدة، نعم. فظنوا أن التدين الناشئ عن القرآن الكريم كذلك. لم يروا الخلق، والصفة السيدة، والصفة التي وصفتها السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها رسولَنا الكريم، الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، حينما قالت: «كان خلق النبي القرآن»، نعم. هؤلاء رأوا صنفًا آخر يزعمون أنهم من أهل القرآن، وأنهم من خاصة القرآن، فرأوه على قدر كبير من الشدة والغلظة، والبعد عن وجوه الخير والهدى والرشاد، سبحان الله، فأورث ذلك ردة فعل أفضت بهم إلى الظن بأن الذي يكون من أهل القرآن يكون كذلك.
فهذه الوجوه – للأسف الشديد – هي عموم أحوال الناس اليوم، وإن لم يعبروا بها بلسان المقال، فإن لسان الحال كذلك؛ فالسواد الأعظم منهم يجد أن هناك فجوة بينه وبين القرآن الكريم، نعم، إما لأنه صعب – في رأيه هو – ولا يتأتى له أن يفهم ما يشتمل عليه القرآن الكريم من مراشد ومواعظ وأحكام وحكم، نعم، وإما أن هذا البعد التاريخي جعل منه نصًا مقيدًا بأزمنة غابرة من حيث الخطاب ومن حيث المضمون؛ فقضايا اليوم معقدة، ومسائلنا شائكة، وأحوالنا متغيرة، وإنما يمكن أن نتبرك بالقرآن الكريم، نعم، ويمكن أن نأنس به روحيًا، ذلك غاية ما يمكن أن نصل إليه.
وآخرون – كما تقدم – رأوا أن وجوه الشدة والغلظة التي يتحلى، أو يتصف بها، بعض من ينتسبون إلى القرآن الكريم من حملة القرآن وأهله، أنها أيضًا مأخوذة من القرآن الكريم. عموم هؤلاء – تلخيصًا – نعم، لا يستشعرون جمال القرآن، لا يجدون لذته، لا ينجذبون إليه، حتى مع إيمانهم أن الله تبارك وتعالى قد أودع فيه وجوهًا من الإعجاز والبيان لا مزيد عليها، وأنه مصدر الهداية، وأنه دستورهم، وأنه المحتكم الذي يَئُوبون إليه؛ لكن هذا على المستوى النظري.
أما في واقع الأمر فإنهم لا يجدون ذلك، لا يجدونه، لا يتلمسون وجوه الإبداع والجمال والتميز والبيان والبلاغة في آيات الكتاب العزيز، نعم.
وهذا الذي دفع إلى العناية باللفظ دون المعنى؛ فصارت الصلة صلة لفظية ظاهرية بعيدة عن المضمون. كيف؟ فنجد أن العناية بأحكام التلاوة، والتجويد، والتغني، والترانيم، والمقامات، وهلم جرًّا، لا يقال بأن هذا مما لا ينبغي الاشتغال به، لكن أن يكون هو الإطار الذي يحدد صلة المسلمين اليوم بالقرآن الكريم فهذا أمر فيه قدر كبير من التنقص مما أنزل القرآن من أجله، نعم.
وأحسن من هذا – قليلاً – العناية بالحفظ وإن كان بدون فهم أو تدبر، وهذا نوع أيضًا من الصلة، لكن حتى هؤلاء لا يجدون في نفوسهم حلاوة القرآن الكريم، ولا يستشعرون وجوه الإعجاز والبيان فيه، ومن أجل ذلك فإنهم أيضًا لا يفهمون ولا يتدبرون، وعندئذ لا يتمكنون أيضًا من إيصاله إلى الناس. هذا هو أغلب ما يؤطر صلة المسلمين اليوم في واقعنا المعاصر بالقرآن الكريم.