⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هل لدى المسلمين الآن استعداد أن يجعلوا يوم عرفة فرصة للمراجعة الروحية والأخلاقية والقيمية، أم أن المسألة أصبحت فقط مظهرًا عباديًّا ويستمر هكذا؟ بل الواجب على المسلمين اليوم أن ينزِّلوا هذه المواسم، وفي صدارتها يوم عرفة ويوم الحج الأكبر والأيام العشر من ذي الحجة، المنزلة اللائقة بها؛ لكي تكون محطات يراجعون فيها حساباتهم، ويعيدون فيها التخطيط بعد النظر في واقعهم لمستقبلهم.
وهذه الرواية التي تشير إليها تؤكد هذا المعنى؛ فإن الله تبارك وتعالى حينما أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم يوم عرفة هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، فإن كمال الدين بأداء رسول الله صلى الله عليه وسلم حج بيت الله الحرام بعدما طهر البيت من مظاهر الشرك والوثنية، وبعدما خلصت هذه البلاد لأهل الإسلام، فإن الله تبارك وتعالى امتن عليهم بمال شعائر هذا الدين، وبذلك أتم عليهم نعمته.
وجاء بعد ذلك الإرشاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3].
فجدير بهذه الأمة أن تتخذ من يوم عرفة فرصةً لمراجعة ذاتها، وتجنب أخطائها، والعودة إلى الله تبارك وتعالى، وما ابتدأ ذلك تصحيح إيمانها بالله عز وجل.
فالرواية المتقدمة في فضل العشر من ذي الحجة تقول: «ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر». وهذا يعني أن مبنى هذا التفضيل إنما هو الإيمان الراسخ الصادق الحقيقي الذي يوجه النفوس نحو العمل الصالح والخلق القويم، والعناية بالمصالح الكبرى لهذه الأمة، ونبذ أسباب الشقاق والتفرق والاختلاف والتنازع، والأخذ بأسباب العز والعلم والمجد والشرف، واستلال العداوات من النفوس، وإحلال التأخي محلها؛ لكي تُري الناس أجمعين أن هذه الأمة –كما اتحدت في ظاهر شعائرها– فهي في حقيقة مشاعرها مؤتلفة متحابة متآخية مترابطة، ويكون تعظيمها لأن الله تبارك وتعالى عظَّم هذه الشعائر، فتعظِّم تعظيمًا لله عز وجل، تعظيمًا ينبعث من إيمان راسخ في هذه النفوس يوجِّهها نحو مزيد من العدل والخير والبر والإحسان والمعروف، ونبذ أسباب الضعف والذلة والهوان.
والله تعالى أعلم.