⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الذكر والدعاء هما من أعلى تجليات العبودية لله تبارك وتعالى، ولا ريب أن المسلم عليه أن يغتنم المواسم التي تكون مَظِنَّةً لإجابة دعائه ولمضاعفة أجره وثوابه بكثرة ذكره لله تبارك وتعالى.
يَشهد لهذا أدلة كثيرة في كتاب الله عز وجل؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]، وعبادُه المؤمنون وُصِفَ من ضمن صفاتهم: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: 35].
ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان حريصًا على الإكثار من ذكر الله تعالى في كل الأوقات، سواء كان ذلك في عموم مجالسه، أو كان ذلك في مختلف الأحوال والظروف التي تعتريه، أو كان ذلك في مسجده عليه الصلاة والسلام، لا سيما أدبار الصلوات؛ فالأوقات التي تكون بعد الصلوات هي من المواسم التي لا ينبغي للمسلم أن يهملها، لأنها مَظِنَّة إجابة دعاء.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر ربه كثيرًا عقب الصلوات، حتى إن ابن عباس وصف –وهذه الرواية عند الإمام مسلم– وصف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله بما يعلو من أصواتهم من ذكر الله تعالى. وهو صبي صغير فكان يعرف انقضاء الصلاة لما يسمعه من علو أصوات المصلين من رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام رضوان الله تعالى عليهم بالذكر والدعاء لله تعالى.
وورد في بعض الروايات تخصيصٌ لهذه الأذكار، لكن في هذه الرواية فائدتان ظاهرتان، فيها فوائد أخرى، لكن الفائدة الظاهرة الأولى: هو استحباب ذكر الله تعالى عقيب الصلاة، والفائدة الثانية: هو أن يكون ذلك بصوت مسموع؛ فلذلك تجد أن أولئك الذين يضيِّقون أيضًا على الناس، ويرون –أو يقولون– بِبِدعيَّة الذكر بصوت مسموع بعد الصلاة، يرون أنه بدعة، في الحقيقة هذا الحديث النبوي يشهد بخلاف ذلك.
وهذا –حتى نحرِّر المسألة أيضًا– لا ينبغي أن يُخلَط بينه وبين الذكر الجماعي؛ ما حذَّر منه عددٌ من العلماء من مسألة الذكر الجماعي هو أن تكون أصواتهم واحدة بذكر واحد، فيرفعون أصواتهم جميعًا بذكر واحد، بينما الذي نجده في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء في الصلاة كما في هذه الرواية المتقدمة، أو حتى في الحج على سبيل المثال، فتجد منا المكبِّر، ومنا المهلِّل، ومنا المسبِّح؛ فذلك يعني أنهم كانوا يذكرون الله تبارك وتعالى بصوت مسموع، لكنهم ليسوا بطريقة جماعية.
وكذا الحال بالنسبة لو دعا الإمام ثم آمَن المأمومون وراء دعائه، فليس هذا من الذكر الجماعي حتى يُعاب؛ فهنا ينبغي أن يُتنبه له، وعلى أقل تقدير فإن هؤلاء الذين يرون جواز هذا الذكر إنما يستندون إلى أدلة خاصة مع الأدلة العامة الواردة في جواز الذكر بصوت مسموع أدبار الصلوات، والله تعالى أعلم.