⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فسؤالكم يشير إلى حديث أبي برزة الأسلمي عند الإمام مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رسولًا إلى قوم فسبوه وشتموه، فلما أتاه قال: «لو أهل عمان»، وفي رواية: «لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك».
نعم، وهذه شهادة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسدد بالوحي لأهل عمان، إذ لم يكن في السياق أحد من أهل عمان، وإنما رأى رسولًا أرسله هو عليه الصلاة والسلام إلى قوم يدعوهم إلى الإسلام، فساء استقباله، وقابلوه بالعنف والقسوة والإغلاظ والاعتداء، فلما قفل راجعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورآه عليه الصلاة والسلام في تلك الحالة، أشاد بأهل عمان، وأنه لو كان قد أرسل رسوله إلى أهل عمان لما قوبل بمثل ما قوبل به من أولئك القوم الغلاظ الأشداء البعيدين عن الخلق القويم وحسن استقبال وفد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام.
مما يدل على أن هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو ليس لقوم مخصوصين من أهل عمان، وإنما هو وصف لطابع عام وجبلة عرفت عن أهل عمان وصلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأقرها فيهم وأكدها عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام عليه الصلاة والسلام، وهو لا ينطق عن الهوى.
وقدر ما تحمل هذه الشهادة منه عليه الصلاة والسلام تزكية وثناء فإنها تحمل أهل عمان أمانة ومسؤولية.
وهنا ذكر بعض حذاق شراح حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض الخصال التي استأهل بها أهل عمان هذا الثناء العاطر الشريف من خاتم الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام الذي زكاه ربه جل وعلا خلقه في كتابه الكريم حينما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، نعم، ولذلك فإنه يعرف لأهل الفضل فضلهم، ولأهل السمت خلقهم ومنزلتهم.
فذكروا – لا سيما من أصرح من ذكر الإمام أبو العباس القرطبي في «المفهم» في شرحه على صحيح مسلم أو على إكمال صحيح مسلم – قال: لأن أهل عمان أهل علم وعفاف وتثبت، نعم، ولأنهم ألين قلوبًا وأرق أفئدة.
جميل، هذه الخصال التي دعت إلى أن يثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل عمان عليه الصلاة والسلام: العلم – والعلم قوام الأخلاق – والعفاف الذي يعني التنزه والتزكي والبعد عن الرذائل واجتناب أسباب الفحش والباطل، والتثبت الذي هو مصدر الحلم والأناءة والروية والحكمة والبصيرة وبعد النظر، هي أظهر صفات أهل عمان.
ثم قال – أشار إلى مصدر هذه الخصال فيهم – فقال: لأنهم ألين قلوبًا وأرق أفئدة، نعم، وما أجمل هذا الوصف؛ لأنه يخرج أيضًا من المشكاة القرآنية في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حينما قال عنه ربه جل وعلا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
فهذه هي سيمة أهل عمان التي تحملهم أمانة كبيرة ومسؤولية جسيمة لا تقتصر على صيانة هذه الأخلاق وحفظ هذه الشهادة، بل إنها تمتد لتجعل من هذا الميراث ثروة تُنمَّى ويزاد عليها، نعم، ويطمح إلى مزيد من تنميتها والازدياد منها وتوفيرها ونقلها عبر الأجيال جيلًا بعد جيل بأنصع ما يمكن أن تكون عليه وبأزكى صورة وأطهر نموذج.