⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذا الفعل في كتاب الله عز وجل ورد مرة واحدة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية: 21]. وورد فعل: ﴿جَرَحْتُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60].
فهو مأخوذ من الفعل "جرح"، والجرح أو الجرح هو القطع، ولذلك فإن المفسرين اختلفوا: هل الاجتراح هو نفس الاكتساب أو إنه اكتساب مخصوص؟ فما ورد إلا في سياق اكتساب السيئات.
لكن الظاهر –كما هو الشأن في كتاب الله عز وجل– أنه ما من كلمة فيه إلا ولها دلالة، وحتى لا يعترض علينا بوجود المترادفات في اللغة العربية، فإن الترادف –حتى وإن وجد في القرآن الكريم– فإنه ما من لفظة فيه يمكن أن تقوم مقام اللفظة الأخرى؛ لأن معناها الخاص بها قُصد في ذلك السياق الذي وردت فيه.
وعلى هذا يمكن أن ننظر في هذه الكلمة؛ فإن فعل الاجتراح –كما تقدم– مأخوذ من الجرح وهو القطع، ولكنه فعل متصل بفعل الجوارح التي هي عوامل هذا الإنسان التي يعمل بها، التي يفعل بها؛ مما يعني أن الجانب القلبي وما يتعلق بالنوايا والمقاصد غير مقصود بالذات في هذا السياق، هذا أولًا، على خلاف الكسب والاكتساب، وعلى خلاف الاقتراف، وكلها مصطلحات وردت في كتاب الله عز وجل.
فالذي يدل عليه السياق –السياقات في هذه المواضع: ﴿جَرَحْتُمْ﴾ أو ﴿اجْتَرَحُوا﴾– هو أن هذه الأعمال أولًا: أعمال، وأنهم قاموا بها بجوارحهم؛ حتى كلمة "الجوارح" هي مأخوذة من نفس هذا الجذر اللغوي، وأن ما يتعلق بالجوانب القلبية والمقاصد والنوايا ليست مقصودة بالذات في هذا السياق، وإنما المقصود الإنكار عليهم فيما يتعلق بالأفعال من أقوال وأعمال. وهذا هو الفارق بينها وبين الكسب والاكتساب، هذا هو الفارق الظاهر بينها وبين الكسب والاكتساب الواردة في كتاب الله عز وجل.
إذًا في دلالة «اجترحوا» ما يشير إلى أعمال الجوارح، وأنهم قارفوها، وأنهم أتَوْها عن قصد؛ لأن هذا التضعيف –أيضًا هذه الزيادة في الفعل "جرح" بـ"اجترحتم"– تدل على أنهم أتَوْها قصدًا، وهم مدركون لها، واعون بها، فأتَوْها قصدًا.
ثم إنها تشير أيضًا إلى أثر هذا الفعل، وهو أنه ترتب –هو في ذاته– إما أن يكون مما يغضب الله تبارك وتعالى، أو أنه يُفضي إلى غضب الله عز وجل في ذات هذه الكلمة، حتى لو قلنا بقول من يرى من المفسرين وعلماء اللغة أن الاجتراح هو الاكتساب مطلقًا –فعلًا سيئًا كان الفعل أو غير سيئ– وإن كان مفسر كالزمخشري يرى أنه خاص في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، فإنه يرى أنه في اكتساب السيئات.
لكن القولين موجودان عند المفسرين وعند علماء اللغة، فحتى عند من يرى بأن الاجتراح هو مجرد الاكتساب؛ فإن دلالة الفعل والسياق، أو دلالة هذين السياقين في كتاب الله عز وجل، تؤكد أن المقصود: إتيان السيئات، اكتساب السيئات، وأنها جاءت –أنها أفعال مقصودة– كما يحصل في أحداث الجرح، وهو القطع على وعي وإدراك، وأنها أعمال بدنية أُتيت بالجوارح.
فالله تبارك وتعالى قصد هذه المعاني بهذه الألفاظ في كتابه العزيز.
والله تعالى أعلم.