⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هناك بعض الروايات أو بعض الآثار، كما ورد في قصة عودة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الطائف – إن أردت أن نستطرد قليلًا في هذه القضية – حتى إنه ورد في دعائه أنه قال: «اللهم إني لا أسألك ردَّ القضاء، ولكني أسألك اللطف فيه». والصحيح أن هذه الرواية ضعيفة أصلًا، فلا التفات إليها.
ولو ثبتت لكان فيها شيء من التعارض مع هذا الحديث المتقدِّم، وهو حديث «لا يردُّ القضاء إلا الدعاء»، لكن الحديث هذا ضعيف، ومنهم من يقول: هو منكر لا يصحُّ أبدًا، ومعناه أيضًا – حتى لو ثبت سندًا – فمعناه غير صحيح، وذلك لأن العبد مأمورٌ منه أن يطلب من الله سبحانه وتعالى العافيةَ له في سائر شؤونه من أمور دنياه ومن أمور دينه.
فيطلب من الله تعالى الصحة والقوَّة والخير والجاه والولد وسائر النِّعم، ولو أصابه بلاء فإنَّه يسأل الله تبارك وتعالى أن يرفع عنه ذلك البلاء، وقد كان هذا من هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولذلك نجد أنه كان يلجأ إليه بالاستعاذات، فاستعاذ منه من الفقر، واستعاذ منه من المرض، واستعاذ منه من المسيح الدجال ومن عذاب القبر، واستعاذ منه من البخل، واستعاذ منه من الكسل.
وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير»، ثم قال بعد ذلك: «استعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن (لو) تفتح باب الشيطان».
فرسولنا صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالضراعة إلى الله سبحانه وتعالى، وطلب ما فيه سَعَة وعافية وخير لنا في ديننا ودنيانا، ولذلك فإنه لا يتناسب أن يكون معنى هذا الأثر – إن لو صح – غير متناسب مع هذه الحقائق أبدًا، وهو: «إني لا أسألك ردَّ القضاء، وإنما أسألك اللطف فيه».
بعضهم يمثل: إذا أُصيب بمرض، هل يُمنَع من أن يطلب من الله تبارك وتعالى رفعَ ذلك المرض عنه، وأن يطلب منه السلامة والصحة والعافية، ولا يسوغ له إلا أن يسأل ربَّه جل وعلا أن يخفِّف عنه آلام المرض؟ لا قائل بذلك من أهل العلم.
من العلماء من كتب في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعلِّق على هذا الدعاء من وجهة توجيهات حسنة مقبولة، أن ذلك من باب التأدُّب مع الله تبارك وتعالى، والتلطُّف في الدعاء؛ فقد كان من دعاء أيوب عليه السلام لم يصرِّح بمطلبه، وإنما قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]، فهذا من باب التأدُّب وحسن مخاطبة الله عز وجل، هذا من باب البَثِّ دون التصريح بحقيقة المطلب، وهذا تأويل حسن مقبول.
وبذلك لا يصح أيضًا أن تُعَدَّ هذه القضية من القضايا التي لا يسع فيها الخلاف، أو التي يُخطَّأ فيها الناس، طالما أن التأويل فيها تأويل قريب مقبول متناسب أيضًا مع الأدلة الشرعية. والله تعالى أعلم.