مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

حدود حرية التعبير

هل نشر المواضيع الوقحة والتافهة التي تمس قيم المجتمع وأعرافه يعد من حرية التعبير شرعًا؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، ليست هي من حرية التعبير، وإنما هي مشمولة بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، وهي مشمولة بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أمسك عليك هذا»، فحينما سأله معاذ: أوَإنا لمؤاخذون بما نقول؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم –أو قال على مناخرهم– إلا حصائد ألسنتهم». أي أن حرية التعبير عندنا في هذا الدين وفي شرع الله تبارك وتعالى إنما منضبطة بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: 24]؛ فكل قول فيه إسفاف، أو سَفاهة، أو فُحش، أو بذاءة، إنما هي أقوال من الشيطان؛ لأن الله سبحانه وتعالى حينما حذَّر من الشيطان قال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169]. ولا قائل من العقلاء –طبعًا من ذوي الفِطَر السليمة– يمكن أن يقول بأن فُحش القول والبذاءة والإسفاف في الذوق، والإسفاف بالمروءة والأخلاق، والبعد عن الحياء والعِفَّة، أنها ليست من الفحشاء والمنكر؛ والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فهل يمكن لأحد من العقلاء أن يقول إن الخوض في الشهوات، ووصف العورات، وما يحصل من حالات الإفْضاء الجنسي –حتى ولو كان حلالًا– أنه مما أمر الله تعالى به من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى؟ لا يمكن لأحد أن يدَّعي ذلك، ولا يمكن لأحد أن يخالف أنه ليس من الفحشاء والمنكر والبغي، بل هو من الفحشاء والمنكر والبغي. والله سبحانه وتعالى أيضًا حينما أمر عباده بأن يقولوا القول الحسن، فقال: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]، فهل مثل هذا الإسفاف بالعقول، والتمرغ في الرذيلة، والبعد عن كل مروءة وفضيلة، هو من القول الحسن الذي أُمِرْنَا الله تعالى به حينما قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]؟ وإذا كان هذا هو شأن الكلمة التي يطلقها الإنسان بلسانه فلا يبقى أثرها بعد أن تصادف الأسماع، فكيف بكلمة مكتوبة يبقى أثرها، وتصل إلى أبعد مدى؟ هل يمكن لعاقل أن يجادل في أن هذه أعظم خطرًا وأشد أثرًا، وأنها أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة، ولا يمكن لأحد أن يدعي أن هذا مما يكتنفه حرية التعبير؛ لأن حرية التعبير إنما هي مقيدة بالأخلاق والآداب، مقيدة بشرع الله تبارك وتعالى كما تقدم. وهذا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يحذر من أن ينشر الزوج ما يحصل بينه وبين امرأته –وهي حلال له، والكل يعرف أنها حلال له–، ولكنه يقول: «إن من أشر الناس عند الله تعالى يوم القيامة» وفي رواية: «إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة» –أي من أعظم خيانة الأمانة– «أن يُفضي الرجل إلى المرأة وتُفضي المرأة إلى الرجل ثم ينشر سرها»، وفي هذا من الوعيد الشديد ما فيه، فكيف بحالات من الشذوذ، وحالات من الفواحش والمنكرات التي تُعرَض في غاية من التبذل والإسفاف والفُحش والنُّكر من القول؟ هذا يشي أيضًا بوضع خطير يمكن أن يقوِّض أركان المجتمعات؛ لأن انتشار الفواحش وعدم التناهي عن المنكر إنما هو سبب إلى إهلاك الأمم. ونحن نرى اليوم بعض الكُتَّاب الذين يدَّعون الكتابة، وهم أيضًا يدَّعون الإصلاح، إلا أن واقعهم وما ينشرونه وما يكتبونه إنما يؤكد على أنهم دعاة رذيلة، ودعاة إلى المنكر والفحشاء؛ ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». إن الأدب إنما يُراد منه أن يرتفع بالذائقة، أن يرفع ذوق هذا الإنسان، وأن يعزز في المجتمع الفضيلة، وأن يبني اللغة ومعاني الأدب الرفيعة، وأن يدعو إلى الفضيلة ومكارم الأخلاق، أما أن يدعو إلى الإسفاف، وإلى التبذل، وإلى الانحلال، وإلى الرذيلة، فإن هذه مسؤولية عظيمة، وعلى كل مسؤول، على كل صاحب سلطة يكون سببًا في نشر هذه المنكرات أو في قبول هذه الرذائل أن يتحمل مسؤوليته، أن يتحمل أمانته أمام الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان الذي نهى الله سبحانه وتعالى عنه حينما قال: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. وعليه أن يتحمل مسؤوليته أيضًا، وأن يؤدي أمانته نحو هذا الوطن ونحو هذا المجتمع؛ لأن أسباب الفتن إنما تنشأ من مثل هذه الحالات، هذا تطرُّف في الانحلال، والتطرف –أيًّا كان نوعه وأيًّا كان مبعثه– منبوذ؛ لأنه يؤدي إلى تصرفات غير مسؤولة، ويؤدي إلى أنواع أخرى من التطرف. فعلى كل أحد أن يتحمل مسؤوليته، وأن يؤدي دوره. وكم أتمنى أيضًا أن تكون هناك من التشريعات والقوانين ما يجرِّم مثل هذه الأفعال، وأن من وقع أيضًا في شراء مثل هذه السلع التافهة المبتذلة أن يعود –لأنه مستهلك، ومن حقه أن يعود– على دار النشر أو على المكتبة بمثل هذه البضاعة المزيَّة، وليأخذ نقوده، ولتُتَّخَذ الإجراءات القانونية ضد كل من سعى إلى نشر مثل هذه الرذائل، وإلى القبول بها، وإلى الرضا بها أو الإعانة عليها بوجه من الوجوه. والله تعالى المستعان.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢‏/٣‏/٢٠١٥👁 2 مشاهدة
🎬

فتاوى متنوعة - د. كهلان بن نبهان الخروصي ليلة 11 جمادى الأولى 1436 هـ HD

مسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

ضوابط حرية التعبير

2 👁

ما ضوابط حرية الفكر والتعبير في الإسلام، وهل هي مطلقة ولو على حساب الدين والخلق؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

حدود حرية التعبير

2 👁

ما المساحة التي وفرت للإنسان في حرية التعبير، خاصة في الكتابة عما يمس الأخلاق والقيم، وهل تمنح المؤسسات الإنسان هذه الحرية بلا قيود؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٧‏/٤‏/٢٠١٤

ضوابط حرية التعبير

2 👁

ما ضوابط حرية الفكر والتعبير في الإسلام، وهل هي حرية مطلقة ولو على حساب الدين والخلق؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣‏/٣‏/٢٠١٩

ضوابط حرية التعبير

4 👁

ما ضوابط حرية الفكر والتعبير في الإسلام، وهل هي مطلقة ولو على حساب الدين والخلق؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

نقد الأشخاص والكتابة عنهم

2 👁

إلى أي مدى يسمح في الإسلام بحرية انتقاد الآخرين والكتابة عنهم دون أن يعد ذلك مصادرة للفكر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

حدود الحرية وممارستها

2 👁

إلى أي مدى يمكن للشاب أن يمارس حريته الشخصية متجاوزاً قيم المجتمع، وكيف يتم التصرف مع الشباب الذين يمارسون حرياتهم دون الالتفات لأي شيء آخر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٥‏/٥‏/٢٠١٤