مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

جمع القرآن في العهد النبوي

ما رأيكم في مسألة جمع القرآن الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: هل اكتمل حفظاً وكتابة وترتيباً في حياته أم لا؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهْدِنا إلى الطريق الأقْوَم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب، وأنت الحكم. أما بعد، فالسؤال أخذ حيزًا من البحث والدراسة لدى المشتغلين بعلوم القرآن، وينبغي لنا أن نفهم أن «الجمع» يقصد به أمران: الأمر الأول متفق عليه، وهو الجمع الذي يكون في الصدور، بحفظ آيات كتاب الله عز وجل عن ظهر قلب، نعم، بترتيبها المعروف في القرآن الكريم، وهذا أمر متفق عليه؛ فجمع القرآن على هذه الصورة في قلوب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن اتخذهم كُتَّابًا للوحي، وهم عدد غير يسير. وإن كنا نجد في بعض الروايات –كما هي الرواية الشهيرة– أنه ما جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ستة نفر، وما أشبه هذه الرواية، إلا أنها لا تدل على الحصر، وإنما تدل على ما علمه الراوي في الوقت الذي كان يتحدث فيه، نعم. فحينما نجد من تحدّث في علوم القرآن، ومن كتب في تاريخ تدوين المصحف وفي القراءات، نجد من يذكرونهم ممن حفظ القرآن عن ظهر قلب في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من هذا العدد بكثير، نعم. إذن هذا الجمع –وهو الجمع في الصدور– بحفظ ما نزل من القرآن الكريم مرتبًا على النحو الذي وجَّه إليه رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابَه، من حيث موضع الآية: كانت تنزل عليه من السورة التي يأمرهم أن يجعلوها فيها، ومن حيث ترتيب هذه السور في القرآن، فحفظَ ذلك في الصدور أمرٌ متفق عليه، أنه كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا هو الجمع، أو هذا هو المعنى الأول من معاني الجمع. المعنى الثاني: وهو جمع القرآن؛ أي ضمُّه، فالجمع يعني الضم، كتابتُه، هو محلُّ خلاف، ولكن الخلاف عند أهل العلم خلافٌ غير مؤثِّر؛ بمعنى أن الخلاف: هل اكتمل تدوين كل القرآن الكريم كتابةً في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أما من حيث حفظُه في الصدور، وجمعُه عن ظهر غيب، ومن حيث تلقِّيه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما سمعوه منه عليه الصلاة والسلام، إلى بعضهم البعض، وإلى من جاء بعدهم، فهذا أمر متفق عليه. فحتى عند القائلين بأن الجمع كتابةً لم يكتمل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن ذلك إنما هو من باب حكاية الواقع لا أكثر فيما يتعلق بالكتابة والتدوين، نعم، حتى نفهم المسألة. ولكن مع ذلك، فإن الصحيح أن القرآن الكريم بسُوَره، وبترتيب هذه السور، وبآيات كل سورة وترتيبها فيها، اكتمل تدوينًا وكتابةً –القول الراجح– في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نعم. ويشهد لذلك بعض الأدلة: الدليل الأول: أنه كان عليه الصلاة والسلام قد اتخذ كُتَّابًا للوحي، نعم، وهؤلاء الكتّاب معروفون، وكان كلما أُحْدِثَ عليه شيء من كتاب الله عز وجل فإنه يُلقيه على أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، ثم يأمر كتّابه، كتّاب الوحي، بتدوين ما نزل، وكانوا يكتبونه –كما هو معلوم– على ما تيسَّر من الرقاع والعظام والجلود وما تيسر لهم، نعم، فكانوا يكتبونه. هذا الدليل الأول. الدليل الثاني: أننا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي ورد من طريق أبي سعيد الخدري، ووارد من طريق غيره، قال: نهى أن يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدو لئلا يَنالوه، نعم؛ إذًا هو مكتوب، إذًا المقصود بالقرآن –والقرآن يُصدَق على جزء منه–: مكتوب في ألواح، أو في رِقاع، أو في جلود، مدوَّن؛ إذ لا يُتصوَّر النهي عن السفر بالقرآن، وتحقيق النهي المنهيِّ عنه، إلا بهذه الصورة. لا يُتصوَّر أن يكون المقصود من ذلك جمعه وحفظه عن ظهر قلب، نعم؛ فإن هذا لا يتمكَّن منه العدو، وإنما يتمكَّنون مما هو مدوَّن مكتوب محمول، يُسافَر به صاحبُه، نعم. هناك أيضًا بعض الآثار التي يُستأنَس بها؛ منها أيضًا ما ورد عند الإمام الربيع، من طريق أبي عبيدة بلاغًا، فالحديث –كما يقول الشيخ نور الدين السالمي رحمه الله تعالى– مُرسَل؛ لأن أبا عبيدة عنده قد التقى بنَفَرٍ من الصحابة، فقال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أنزلت عليه آية قال: «ضَعُوها في موضع كذا في سورة كذا، وما تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والقرآنُ مجموعٌ» مثله. فهو يتحدث عن الوصفين، وهذا أدرك عددًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الشأن لا يمكن إلا أن يكون حكايةً لواقع؛ لا يمكن أن يكون اجتهادًا، وإنما هو يحكي ما اطَّلع عليه مما تلقّاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما أخبروه به؛ إذ هو ليس رأيًا اجتهاديًّا يمكن أن نقول بأنه كان اجتهادًا منه رضي الله تعالى عنه، وإنما هو حكاية لواقع. يضاف إلى ذلك مما يُستأنَس به أيضًا الروايةُ عند الإمام الربيع بن حبيب، من طريق الإمام جابر بن زيد، قال: «في الجُنُب والحائض والذين لم يكونوا متوضئين: لا يقرؤون القرآن ولا يطَؤون مصحفًا بأيديهم حتى يكونوا متوضئين»، نعم. فدلَّ على أن هناك صحفًا، نعم، نُهي عن لمسها ومباشرتها إلا بهذه الشروط –بحسب هذه الرواية–، وليس المحل الآن محلَّ الاستشهاد هو الفقه؛ أي فقه مباشرة المصحف، وإنما الحديث عمَّا يُؤخَذ منها من معانٍ، أن هناك صحفًا كُتب عليها القرآن الكريم، دلت هذه الرواية على نهي مَن لم يكن على طهارة من مباشرتها باللمس، نعم. فإذاً مجموع هذه الأدلة والروايات يؤكد أن كتاب الله، أن القرآن الكريم، قد كُتب ودُوِّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبإشرافٍ منه، وهذا أمرٌ توقيفيٌّ فيما يتعلق بالسور وترتيبها، والآيات ومواضعها في كل سورة: أيُّ سورة يمكن أن يُبدأ فيها، أيُّ سورة طُرِح منها البدء بالبسملة، كل ذلك حصل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام. فالجمع بهذا المعنى –بمعنى التدوين والكتابة– على القول الراجح حصل في عهده عليه الصلاة والسلام، نعم. الآن: هذا المجموع، هل احتُفِظ به في مكان واحد؟ لا دليل على ذلك، نعم. مجموع ما دُوِّن عليه القرآن الكريم في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هل كان محفوظًا مجموعًا في مكان واحد؟ لا دليل على ذلك. وهذا يفسِّر ما حصَل في عهد سيدنا أبي بكر الصديق رضوان الله تعالى عليه في حروب اليمامة، لما أتى سيدُنا عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليه، فقال: لقد استحرَّ القتل في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخشى أن يذهب القرآن، فلو أمرتَ أن يُجمع، نعم. إذاً هذا الجمع هو جمع هذه الصحف والرِّقاع، وما كُتب عليه القرآن الكريم، ليكون مصحفًا واحدًا مجموعًا في مكان واحد، جميل. وهذا الذي حصل بعدما استشار أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انشرح صدرُه لهذا الرأي الذي أتاه به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فإنه أقبل عليه، وهذا الذي صنعه، وكلَّف زيدًا أن يفعل ذلك، ثم حصَل بعد ذلك التدوين –يعني– في عهد سيدنا عثمان، أن قام بنسخ ذلك المصحف الأم، ووزَّعه على الأمصار. إذًا جمعُ القرآن مرَّ بهذه المراحل، هذا هو الذي يمكن أن تطمئن إليه النفس، ويجمع بين الشتات الموجود فيما يتعلق بهذه القضية. … الرواية فيها كلام، لكن الحاصل أن هذا تشهد له أدلة أخرى، نعم؛ فقد ما معنى اتخاذ كتَبة للوحي؟ هذا أمر مجمع عليه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ كتَبة للوحي. وما يُقال من أنه كان ينتظر تجنُّبًا للنسخ، هذا لا ينبغي أن يُقال، نعم، هذا قولٌ ضعيف، بل هو شاذٌّ مردودٌ عليه، جميل. فمعلوم أن النسخ إنما هو في بعض الأحكام، لا فيما يتعلق بما أُنزِل من ألفاظ كتاب الله عز وجل. وما ذُكر من روايات فهي إما أن تكون ضعيفة، أو أن تكون محمولةً على قراءة تفسيرية لذلك الصحابي الراوي لتلك الرواية، نعم. وما حصل أيضًا من النسخ في الجمع في عهد سيدنا أبي بكر الصديق، ثم في عهد عثمان، هو توثُّقٌ من أن ذلك المكتوب موافقٌ للمجموع في الصدور، نعم؛ فكان الجمع لما كُتب عليه القرآن الكريم في أرقى درجات الدقة، نعم؛ فكان يُستشهَد له، ويُتأكَّد منه بما عليه جماهير المسلمين الذين كانوا يحفظون القرآن الكريم. والحقيقة أن واقعة حروب اليمامة، حروب أهل الردة في عهد سيدنا أبي بكر الصديق، كانت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، وإتيان عمر رضوان الله تعالى عليه إلى سيدنا أبي بكر يشكو له مما أصاب حفَظَة القرآن الكريم، وأنهم قد قُتلوا بالعشرات، نعم، يؤكد أن عددًا كبيرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حفظوه، وكانوا يعلِّمونه الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نعم؛ مخافة أن يضيع القرآن الكريم –بالجمعين: الجمع في الصدور والجمع المدون المكتوب–، كان هذا الرأي الموفَّق المُسدَّد من سيدنا عمر رضوان الله تعالى عليه، الذي شرح الله تعالى له صدرَ أبي بكر الصديق خليفة المسلمين رضوان الله عليه وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نعم. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٠‏/١٠‏/٢٠٢٢👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 14 ربيع الأول 1444 هـ

القرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

ترتيب سور وآيات المصحف

0 👁

هل ترتيب آيات وسور القرآن الكريم الحالي اجتهاد من الصحابة أم هو توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

من جمع القرآن مرتَّباً

1 👁

من الذي جمع القرآن مرتباً: هل هو النبي صلى الله عليه وسلم أم الصحابة في عهد عثمان بن عفان؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٥‏/١٠‏/٢٠٢٤

ترتيب آيات القرآن

2 👁

كيف تم ترتيب آيات وسور القرآن مع نزوله منجماً، وهل هو اجتهاد من الصحابة أم توقيف؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٨‏/١٢‏/٢٠١٦

جمع القرآن في عهد عثمان

1 👁

كيف جُمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٣‏/١١‏/٢٠٢٣

فضل قراءة المصحف والهاتف

3 👁

هل قراءة القرآن من المصحف الورقي تعدل قراءته من الهاتف أو عن ظهر قلب، وهل الأجر واحد للجميع؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٢‏/٦‏/٢٠١٦

القرآن واتهامه بالتاريخية

2 👁

كيف قدّم المسلمون تفسيراً لكون القرآن يعالج أحداثاً وقتية كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته مع اعتراض بعض الباحثين بأنه كتاب تاريخي يتحدث عن حقبة معينة فقط؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٣‏/٣‏/٢٠١٤