⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فالجواب هو أن هذا الوصف ذكره الله تبارك وتعالى في سياق الحديث عن مناسك الحج، يعرض فيه بأهل الجاهلية الذين كانوا إذا فرغوا من مناسكهم فإنهم لا يشتغلون إلا بدنیاهم، فلا يطلبون شيئًا من الأجر والثواب، ولا يرجون من الله تبارك وتعالى نعيمًا، ولا يتوجهون إليه باستغفار، فكل ما يطلبونه إنما هو متاع هذه الحياة الدنيا.
ولذلك نعى عليهم القرآن الكريم هذه الحالة بقوله: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾، أي أنهم يحصرون ويقصرون كل مطالبهم ودعائهم على مطالب دنياهم فقط، رغبةً عن الآخرة، وانصرافًا عنها، وعدم اكتراث بها، وتحويلًا لكل همّهم إلى هذه الحياة الدنيا ومتاعها.
هذا هو الذي يعاتبهم عليه ربنا تبارك وتعالى، ولئن كان من أظهر خصال أهل الجاهلية أنهم لا يلتفتون إلى الآخرة ولا يؤمنون بالثواب والعقاب ولا يقدمون لآخرتهم، فإن من كان مثلهم هو محل عتب، من أهل النفاق، أو ممن تشغله الدنيا فتصرفه بالكليّة عن مطالب الآخرة، وعن طلب العفو والمغفرة، وعن طلب النعيم في الآخرة.
ولذلك أثنى الله عز وجل بعد هذه الآية على عباده المؤمنين، على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وعن المؤمنين، حينما قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
فلم يعتب عليهم أن يطلبوا شيئًا من حسنات الدنيا، كلٌّ بحسب ما يرغب مما شرعه الله تبارك وتعالى وأباحه، ولكنهم لا ينسون نصيبهم من الآخرة، قال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾، فهذا من جملة دعائهم، لا سيما في مثل هذه المواقف الإيمانية في مشاعر الحج وعند أداء المناسك والفراغ منها، فإن غاية همّ المؤمن هو أن ينجيه الله تبارك وتعالى في الآخرة، وأن يكتب له السعادة والفلاح.
ومع ذلك فإنه لا ينسى، ولا غضاضة عليه في أن يطلب من ربه تبارك وتعالى السعة والصحة والعافية، والأمن والأمان، والولد والرزق من أمر دنياه، لكنه لا يغفل عن أمر آخرته.
إذًا فالعتب والنعي إنما هو على من يرغب عن الآخرة تمامًا، وينصرف عنها ولا يلتفت إليها، وأولئك الذين يكون غاية مطلوبهم متاع الحياة الدنيا، من أهل الجاهلية ومن لفّ لفَّهم من أهل الكفر والنفاق، ومن من سلبتهم الدنيا بأهوائها وشهواتها.
هل يعني هذا بالضرورة أيضًا الذي يطلب الآخرة ويلتفت إلى مطالبه الدنيوية يكون أيضًا لا يلزم مقصرًا؟ لا يلزم، نعم، إن كان غلب ما يرجوه من ربه في الآخرة، وعالج أمر دنياه، ومع ذلك فقد – يعني يبعد أن يخلو من أن يدعو ربه تبارك وتعالى بما يحتاج إليه من أمر دنياه – لكنه يغلب ويرجِّح، لا سيما في المواقف التي هي مظنّة لإجابة الدعاء، فإنه يشغل نفسه بما هو بالسعادة الحقيقية، بالسعادة الأبدية، فلا حرج عليه في ذلك.
والله تعالى أعلم.