⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ينبغي أن يتقرر أولًا أن العزوف عن الزواج بمن ابتُلوا بالصمم ليس راجعًا إلى أمرٍ شرعي، بل إن الشرع يدعو إلى التعاطف والتراحم، وإلى الإحصان، والتعاون على الإحصان للجنسين، للذكور والإناث، ويدعو إلى ستر المسلم، وإلى إعفافه، وإلى تفريج كربه، وجعل الشرع في مثل هذه الأعمال الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله تبارك وتعالى.
ولئن كانت هذه الأسس – في حق عموم المسلمين فيما بينهم – من دواعي الأجر والثواب، وممّا يحبّه الله تبارك وتعالى ويرتضيه، ويجزل له المثوبة في الآخرة، فهي في حق من كان أشدّ حاجةً إليها أكثر أجرًا وأعظم ثوابًا.
فأن يُزوَّج من ابتُلي بشيء من الأمراض والعاهات، من الصمم وغيرها من العلل، وأن يُعانوا على ذلك – ذكورًا وإناثًا – وأن يُعانوا على الإعفاف والإحصان وعلى تكوين أسر، فإن ذلك مما ينبغي أن يتعاون عليه المجتمع، وأن يدركوا أن وراء مثل هذا الفعل – حينما يتجهون إليه بهذه المقاصد بقصد التعاطف والتراحم، والتآخي بين أبناء المسلمين، وستر المسلم وإعفافه وإحصانه – فإنهم بمثل هذه النوايا يقدمون لأنفسهم في الحقيقة عملًا صالحًا يُكافَؤون عليه الثوابَ الكبير من الله تبارك وتعالى.
قد تكون هناك بعض الحالات التي يحتاج أن تُراعى فيما يتعلق ببعض الأمراض الوراثية وإمكانية انتقالها إلى الذرية؛ لأن حفظ الذرية – أيضًا كماً ونوعًا – هو مقصد شرعي، لكن هذه حالات خاصة تُعالَج استقلالًا، لا في عموم الأحوال.
وإن كان هناك ما يمكن أن يؤثِّر في الإقبال على الزواج من مَن ابتُلي بالصمم، فلا ريب أن هناك صفات أخرى ومحاسن ينبغي أن يُركَّز عليها وأن يُلتفت إليها؛ فهذه مواهب يقسمها الله تبارك وتعالى بين عباده، فلا ينبغي قصر النظر على العيوب دون التفات إلى المزايا والمحاسن؛ إذ الأسر في هذا الدين الحنيف إنما تنشأ على المروءة، وعلى الخلق الكريم، وعلى ابتغاء ما عند الله تبارك وتعالى، وبهذا يبارك الله عز وجل في هذه الأسرة، ويبارك في الذرية.
فنحن بحاجة – إذًا – طالما أنه قد ثبت أن العزوف عن تزويجهم وعن الزواج منهم لا يرجع إلى أمر شرعي، وثبت أيضًا أن الأدلة الشرعية هي على عكس ذلك تمامًا، داعيةً إلى إقامة أود المجتمع على أسس متينة من التراحم والتعاطف والإحصان والإعفاف، والتعاون على البر والتقوى، وأن هذه الأسس هي في حق هؤلاء ألزم وأدعى؛ فإن هذا يفضي بنا إلى تذكير المجتمع بأهمية الانتباه إلى هذه المعاني، والتعاون عليها، وتوعية المجتمع، وغرس هذه المعاني، وإزالة أي نظرة غير منصفة في حقهم.
عرض القصص الناجحة – سواء كان ذلك في مجتمعنا أو في مجتمعات أخرى من مجتمعات المسلمين – أيضًا له أثر؛ من الطريف أنني رأيت أن بعض – وإن كان هذا استطرادًا – أن بعض القضاة في غير بلدنا، لكن من بلاد المسلمين، يقول: بأنه لاحظ أن عددًا من الشباب يرغبون في الزواج بالفتيات اللاتي ابتلين بالبُكم، فيقول: الأول فالأول، والثاني فالثالث، ثم سألتهم، فقالوا: نرتاح إليهن كثيرًا، ونرتاح من صداع الرأس، وهكذا يقولون، بأن الجانب العاطفي قوي جدًّا، ولأنهن يُحسِنَّ الكتابة – يكتبن، سواء كان بالقلم والورقة أو الأدوات المعاصرة – فيقولون: نحن مغمورون بعواطف جياشة من خلال هذه الرسائل، وبيوتنا على أحسنها؛ يقول: نعم، هناك حالات فيها طلاق، لكن بشكل عام هؤلاء كانوا يقصدون لأنهم التفتوا إلى هذه المحاسن، التفتوا إلى هذه الوجوه الخيرة مما يتوخَّونه من أمر الزواج.
فإذن نحن بحاجة إلى عرض أيضًا أمثال هذه القصص الناجحة، وتذكير الناس بها، والمسلمون ينبغي أن يُظهروا ما وصفهم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال: إنهم يدٌ على من سواهم، وهذا التآخي يظهر حينما يكون هناك أنواع من المحن والابتلاءات، فهم ألزَم أن يكونوا متماسكين، متآخين.
والله تعالى أعلم.