⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الفارق بين استغفار يوسف عليه السلام لإخوته وبين استغفار يعقوب عليه السلام لبنيه هؤلاء هو فارق بين موقفين.
فيوسف عليه السلام رغم ما أصابه به إخوته في طفولته، وما أفضى إليه ذلك الحال من معاناته بما اتُّهم به، وبالفتن التي تعرض لها، ثم بإلقائه في السجن، إلا أن أمره آل إلى خير، وقد اعترفوا هم له بذلك: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ لما صار إليه الأمر في مصر، وآلت إليه الأمور كلها، ورجع الناس إليه، فإنه آل إلى وضع فيه من الخير والصلاح والمكانة والمنزلة ما لا يخفى.
ومع ذلك فإنهم في الحقيقة لم يطلبوا منه، قالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾، قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فكانت مبادرة منه لطي صفحة الماضي.
بينما يعقوب عليه السلام –على ما يظهر– فلننظر في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، هذه أحوال ثلاثة لم تكن حالًا واحدة: ما أصابه من فقد البصر وابيضاض عينيه، والحزن الذي كان فيه وظل معه إلى أن عاد إليه يوسف عليه السلام وأخوه، وهذا الحزن بلغ به حد أن يفقد البصر، ثم حال الأسى التي كان يعانيها وهو كظيم، فقد كان يكظم أحزانه وهمومه وما ابتلي به، وكان في معاناة ولأواء، يصبر ويصبِّر نفسه لكنه كان يجد من الآلام الشيء الكثير مما دلت عليه هذا الجزء من الآية الكريمة.
ولذلك فإن الموقف هنا اختلف؛ فلما طلبوا منه –بأوكد العبارات– قالوا: ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾، فإنه مع ذلك قال: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾؛ فهذا الموقف يتناسب مع أنه إشعار لهم بعِظَم ما أتَوْه في حقه وفي حق يوسف، وفي حق الله تبارك وتعالى قبل ذلك، فأراد أن يبين لهم أن الذي أتَوْه أمر جلل عظيم، فرغم طلبهم منه أن يستغفر لهم بهذه العبارات المؤكدة، إلا أنه أراد –وهو الوالد المربي– بعد الذي أصابه أن يبين لهم عظم الأمر.
فمع ذلك وعدهم أنه سوف يستغفر لهم، قال: سوف أستغفر، وسوف تشعر بالمستقبل الأبعد، لو كان الفعل بالسين فقط لكان... فهذه هي المعاني التي تظهر في الفرق بين استغفار يعقوب عليه السلام لبنيه واستغفار يوسف لإخوته.
ومع الفارق أيضًا: أولئك –يعني في يوسف– هم إخوته، وأراد فعلا يوسف عليه السلام أن يطوي صفحة الماضي مع إخوته، وكان مشتغلًا بحال أبيه أيضًا: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، الحاصل أنه كان يريد أن ينتقل إلى المرحلة، مرحلة ما بعد انكشاف الأمر وتبيُّنه.
أما يعقوب عليه السلام فإنه كان يريد أن يبين لهم عظم الأمر الذي وقعوا فيه، أو عظم الأمور التي وقعوا فيها، وقد عانى منهم ما عانى، فآل حالُه إلى تلك الحال من فقد البصر، من العمى والحزن والأسى والحسرة والمعاناة والضيق والكرب، فكان مناسبًا لهذه المعاني كلها أن يقول: سوف أستغفر لكم ربي.
على أن من المفسرين من يقول بأنه أراد بتأخير المغفرة لهم توخِّي أفضل الأوقات، فمنهم من قال: يوم الجمعة، ومنهم من قال: ساعة إجابة، لكني لا أجد هذا مقنعًا، يمكن أن يقال: بأنه استغفر لهم ووعدهم بمزيد من الاستغفار، هذا أيضًا يمكن أن يقبل؛ لمعرفته بعظيم ما أتَوْه، فإنه علم أنهم أحوج ما يكونون إلى تأكيد هذا الاستغفار وإلى تكراره.
ولذلك فإن: سوف أستغفر لكم ربي، بعض المفسرين يقول: هي تتضمن أنه استغفر لهم في الحال، وأنه وعدهم أن يستغفر لهم في المستقبل وأن يكرر ذلك لما علمه من عظيم ما أتَوْه مما يحتاج إلى مزيد تأكيد للاستغفار.
والله تعالى أعلم.