⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أمَّا المميِّزون من الصبيان فهؤلاء يُعلَّمون آداب التعامل مع القرآن: من توقير القرآن الكريم، ومن الوضوء عند مسِّ المصحف والقراءة منه؛ لأنهم مميِّزون قادرون على الإتيان بالوضوء وأداء حقوق القرآن –أي المصحف– وعدم امتهانه، فهذا لا إشكال فيه.
لكن من كان دون هذه السن –ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «علِّموا أولادكم القرآن، فإنه أولُ ما ينبغي أن يُتعلَّم من علم الله هو»– فهل يمكن أن يُقال بألا يُعطى الطفل غير المميِّز مصحفًا؟ هذا فيه جفاء، وقد يتربى هذا الطفل على هجر القرآن الكريم، أو عدم توقيره، أو عدم محبته.
اختلف الفقهاء: هل يُشترط في هؤلاء الصبيان غير المميِّزين خصوصًا أن يكونوا أيضًا على طهارة –أخذًا بظاهر الأدلة التي تشترط الطهارة في مَن يمس المصحف– أو أنه يُتسامح في حقهم؟ قولان:
فمن الفقهاء من تمسَّك باشتراط الطهارة، وقال: إنه يلزم الولي أن يحملهم على الطهارة والوضوء، وأن يعلِّمهم أن يكون مسُّهم للمصحف وهم على طهارة.
وذهب فريقٌ آخر من العلماء إلى أن الأطفال غير مُكلَّفين؛ صحيح أن وليَّهم مأمورٌ بتعليمهم وتربيتهم وحملهم على الأحكام الشرعية، لكنهم في الحقيقة غير مكلَّفين، فبناءً على ذلك لا مانع من أن يمسُّوا المصحف، وأن يُدفَع إليهم المصحف، مع اشتراط أن يُعلَّموا توقير المصحف وعدم امتهانه، وكيف يتعاملون معه، وألا يُعرَّض كتابُ الله عز وجل في أيديهم لشيءٍ من الامتهان أو التنجيس أو العبث بما لا يليق به؛ هذا شرط لازم في كل الأحوال، وعلى المربين والمعلمين أن ينتبهوا إليه، سواء كان تعليمهم في البيت أو في مدرسة أو في المسجد أو في أي مكان آخر.
لا بد من تعويد الأطفال على احترام كتاب الله عز وجل وتعظيمه، وعدم امتهانه، وعدم مسِّه بما يمكن أن يكون فيه شيء من التحقير أو الامتهان أو العبث به.
هذا الفريق الثاني تساهل، وقال: هم غير مكلَّفين، ولا يصح أن يُجنَّبوا –أن يُبعَد عنهم– القرآن الكريم في صغرهم؛ لأن لذلك آثارًا في قابل أيامهم عندما يكبرون. يُضاف إلى هذا –لا سيما في سياق التربية والتعليم والتنشئة الصالحة– يمكن الأخذ بهذا القول لما ذكره هؤلاء العلماء، ولعلِّي أُضيف: مشقَّة تعويد الأطفال على الوضوء والإتيان بأعمال الوضوء حتى يكونوا على طهارة؛ فإن في هذا الأمر مشقَّة ظاهرة لا تخفى، والمشقَّة تجلب التيسير.
فمن أجل ذلك لا مانع من أن يمسَّ الأطفال –وإن كانوا غير مميِّزين– المصحف بالشروط المتقدِّمة؛ إن أمكن أن يُحمَلوا على الوضوء من باب تعويدهم على آداب كتاب الله عز وجل فذلك خير، وهو أولى وأحسن، وإن لم يمكن فلا ينبغي أن تُفرَّغ قلوبُهم من حبِّ كتاب الله عز وجل، معه ومسه والتبرك به وتعظيمه وتوقيره، والله تعالى أعلم.