⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، الرواية من طريق أبي رِزْين عنه صلى الله عليه وسلم قال: «الرؤيا على رجلِ طائرٍ ما لم تُعْبَر، فإذا عُبِرَت وقعت».
وفي بعض الروايات: «ما لم تُعَبَّر، فإذا عُبِّرَت وقعت». وفي القرآن الكريم قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] بدون تضعيف؛ فالرواية على هذا أوضح: "ما لم تُعْبَر"؛ لأنها تتفق مع ما في كتاب الله عز وجل في هذا الفعل. الرواية فيها خلاف، لكن أكثر المحدثين يقبلونها؛ فابن حجر –على سبيل المثال– ضَعَّف رواية «إنما الرؤيا لأولِ عابرٍ» كما هو صنيع الإمام البخاري أصلًا في الصحيح، لكن ابن حجر نقل أن المعنى يتفق مع روايةٍ أخرى، والرواية هذه عند الترمذي وحسَّنها الترمذي، وعند ابن ماجه، والحاكم صححها، وكذلك فعل أيضًا الإمام النووي والطحاوي في "معاني الآثار"؛ فأكثر المحدثين يقبلون هذه الرواية الثانية، وهي الرواية المسؤول عنها: «الرؤيا على رجلِ طائرٍ ما لم تُعْبَر، فإذا عُبِرَت وقعت».
التعبير الوارد فيه: "على رجلِ طائر" يُقصد به أنها غير مستقرة بعد، كما يُقال في التعبير لمن كان غير مستقرٍّ بكثرة الأسفار: يقال: "على جناح طير"، ونحن اليوم نقول: "على جناح السرعة"؛ فإنه غير مستقر، ينتقل من مكان إلى آخر. هذا التعبير: "على رجل طائر" أي إنها خفيفة غير مستقرة، يكاد يُمسِكُها، أو تكاد تسقط.
"ما لم تُعْبَر"؛ هنا نأتي إلى المعنى: أولًا الذي هو أهلٌ لأن يُعبِر هذه الرؤيا لا بد أن يكون عالمًا بتعبير الرؤى، وأن يكون الوجه الذي يعبُر به الرؤيا وجهًا صحيحًا؛ هذا أحسن ما حُمِل عليه تفسير الحديث؛ لأن الحديث يقول: "ما لم تُعْبَر، فإذا عُبِرَت وقعت"، قد يُفهم منه أنها تقع على حسب تعبير العابر، لكنّنا نجد في حديث أبي بكر الصديق رضوان الله تعالى عليه في الرجل الذي أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن رؤيا رآها: رأى ظُلَّة، والظُلَّة تَسْقُطُ سَمَنًا وعَسَلًا فيَكْتَفُها الناس… إلى آخر الرؤيا، فاستأذن أبو بكر رضوان الله تعالى عليه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في أن يُعَبِّر هذه الرؤيا، فلما عبَّرها قال له صلى الله عليه وسلم: «أصبتَ بعضًا وأخطأتَ في بعض»، إذًا لم يكن ما أشار إليه صلى الله عليه وآله وسلم من التعبير الخاطئ، أو من الخطأ في التعبير، سببًا في وقوع الرؤيا، إذًا هذا مُنتفٍ.
ولذلك ورد في بعض الروايات –في نفس زيادةٍ في نفس هذا الأثر–: «فلا تَقُصَّها إلا على وَادٍّ أو ذي رأي»، وادٍّ من الوِداد، وذي رأي: أي عاقل مُدرِك لتعبير الرؤى، عالم بها، ذي رأيٍ صحيح، يلتزم بآداب تعبير الرؤيا.
فمحل تفسير الحديث: أن الرؤيا تقع على حسب ما يقوله العابر لها، إن كان عالمًا بتعبير الرؤى، وإن كان وجه تعبيره صحيحًا؛ فكيف تُحمل إذًا؟ كما قال الطحاوي: تُحمل –إن كان للرؤيا وجهان مقبولان صحيحان– فحينئذٍ على حسب ما يكون من المعَبِّر تقع؛ أما إذا كان التعبير خطأً فإنه ليس ممّا يُوقِع الرؤيا، وإنما إذا كان التعبير صحيحًا فإنها تقع؛ لأن تعبيرها وقع على أنها رؤيا من الله تبارك وتعالى، لكن استجلاء معناها كان صحيحًا، فوقعت كما كان؛ فإن كانت محتملةً لأكثر من وجهٍ صحيح، فإن العابر لها يختار الوجه الأحسن حتى تكون للرائي خيرًا ومنفعةً وصلاحًا، هذا هو المقصود.
ويعني عسى أن يكون الأمر واضحًا بهذا.
… الفعل الثلاثي "عَبَر" ورد في القرآن الكريم، قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾، فالتعبير –إن كان هو الأشهر في لغتنا الشائعة– لكنه من حيث الأصل: "عَبَرَ الرؤيا" و"عَبَرَ للرؤيا"، وهذا هو استعمال القرآن، إنها عُدِّيَت باللام: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾، لكن الفعل "عَبَر" و"عَبَّر" كلُّها مستعملة؛ الرواية وردت بالفعل الثلاثي: "عُبِرَت" –"ما لم تُعْبَر، فإذا عُبِرَت"– والرواية الأخرى التي قيل بأنها ضعيفة: «إنما الرؤيا لأولِ عابرٍ»، من قبِلها حملها على نفس التوجيه الذي حُمِلَت عليه هذه الرواية المسؤول عنها، وهي أنها تقع من عابرٍ عالمٍ على درايةٍ بتعبير الرؤى، وأن يكون قولُه موافقًا للصواب، فإن كان قولُه خطأً فإنه غير داخلٍ في وقوع الرؤيا وفق تعبيره، ويُحمل على هذا ما ورد في الرواية: أنه إن كان للرؤيا وجهان صحيحان؛ فإما أن يكون موافقًا للصواب، أو أن تكون الرؤيا محتملةً لوجهين من الصواب فيختار أحد الوجهين فيكون وقوعها بناءً على ذلك.
ولذلك يُنبِّه العلماء مَن يشتغلون بتعبير الرؤى أن يختاروا الوجوه الصحيحة.
… وإن كانت رؤيا شر –عياذًا بالله– حُلُمًا من الشيطان، فقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الاستعاذة منها، ولا حاجة إلى أن يُخبر بها أحدًا؛ قال: «إذا رأى أحدُكم ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثًا وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت» –وفي بعض الروايات: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان ومن شر ما رأيت» ثلاثًا– فهذا فيما يتعلق بما يمكن أن يراه الرائي مما فيه إزعاج، ويرى أنه ثقيل على نفسه، وذلك يكفيه، وقد قال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: ففعلنا ذلك فلم تضرَّه؛ كان يرى الواحد منهم الرؤيا كالجبل –أي من ثقلها على نفسه– فلما أرشدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الذكر: أن يتفل عن يساره ثلاثًا ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت»، قال: فإنها لن تضرَّه بإذن الله.
والله تعالى أعلم.