⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولا لننظر في ذات المسألة، وهي أن يتصدق عن الغير، عن الحي القادر.
أكثر أهل العلم يجيزون ولا يرون فيه مانعا، ولا يظهر أن هناك ما يمنع منه؛ فليست هذه بهدية يشترط فيها قبول الطرف الآخر، وإنما هو من عموم أعمال البر التي يستحضر فيها فاعلها النية عن غيره، أن يكون ثوابها للغير، وكما قلت: أكثر أهل العلم يجيزون هذا الفعل، ويرون أنه صحيح، وأن ثوابه يصل للمهدى إليه.
الجزء الثاني من السؤال وهو: أن يعلم المتصدقُ عنه؛ هذا يعتمد على مقصود المتصدق نفسه؛ فقد يعين في وقف بسهم وقفي أو بحصة في إنشاء وقف يعود نفعه للناس، فأراد إدخال السرور على صاحبه فأعلمه بذلك، أو أنه يريد أن يكافئه –على سبيل المثال– فكافأه بمثل هذا الصنيع، لما يعلمه من، كما ورد في السؤال، من سعة ذات يده، وأنه ليس ممن يمكن أن يهديه ما يناسب مقامه، فلجأ إلى أن يتصدق عنه بصدقة جارية في مشروع وقفي، وأراد إعلامه بهذا كنوع من الشكر والامتنان؛ هذا لا حرج فيه، في مثل هذه المقاصد والنوايا وما أشبهها، لا إشكال فيه.
أما أن يكون على سبيل المنِّ، فهذا من الاحتياط، وإلا فنقول بأن من يصنع مثل هذا الصنيع في أغلب الأحوال لا يقصد مثل هذا المقصد؛ لكن إن حصل ذلك فهذا يبطل عمله؛ ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264].
وإن كان أيضا لأجل السُّمعة والقيل والقال، فهذا من الرياء والعياذ بالله، وهذا أيضا مما يفسد عليه عمله؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 4-7]، نعم، والرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك والعياذ بالله.
فإذا لينتبه إلى مقصوده ونيته؛ إن كان يتحقق له أن يتصدق عنه دون أن يُعلِمه، وليست هناك حاجة إلى إخباره، فليفعل، ليزداد أجرا بالصدقة، بصدقة السر؛ ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: 271]. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ورجلٌ تَصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه».
وهذا كله مبني على التوسعة على قول كثير من أهل العلم أن مثل هذا التصرف جائز شرعا، وإلا فإن طائفة أخرى من الفقهاء يرون أن مثل هذه الصورة –أي أن يتصدق عن حي قادر مستطيع– أنهم يشددون فيه، ولا حاجة الآن إلى الترجيح، ونظرا لمقصود الناس أن يحسنوا إلى بعضهم البعض، وأن يصنعوا المعروف، وأن يقيموا علاقاتهم على ما فيه توادٌّ وتعاطفٌ وتراحم، فلهم في أقوال أهل العلم سعة بإذن الله تعالى.
والله تعالى أعلم.