⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الاستفهام في ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ –وهي «ما» الاستفهامية دخل عليها حرف الجر «عن»، ولذلك استحقت التقديم، وحُذفت ألفُها فقيل: «عَمَّ»– هذا الاستفهام هو من براعة الاستهلال لتشويق السامعين وجذب انتباههم لما سيأتي من بيان، وهذا من بلاغة القرآن.
كما أن في براعة الاستهلال هذه، وفي تشويق السامعين، تعريضًا بالمتحدَّث عنهم تعريضَ ذمٍّ وإنكارٍ وإقامةِ حجّة.
ما الذي كانوا يتساءلون عنه؟ ومن هم الذين يتساءلون؟ الذين يتساءلون واضح أنهم المشركون المعاندون الذين اتخذوا موقفًا من رسالة نبينا الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة.
فكانوا يتساءلون: إمّا على جهة الحقيقة –أي: يسأل بعضُهم بعضًا– أو كانوا يتساءلون إنكارًا؛ فالسؤال هنا الذي دار بينهم من تساؤل إنما هو من باب الإنكار والاستهزاء، لا على جهة الحقيقة؛ لأن الأصل في السؤال أنه لطلب الفهم لطلب الجواب، فما كانوا يصنعون ذلك، وإنما كانوا يعترضون ويستهزئون ويسخرون ويعجبون مما جاءهم به.
والأقرب أن كل ذلك مقصود؛ فمنهم من كان يسأل سؤالًا ناشئًا عن جهل، يريد أن يتعرّف حقيقةً على الجواب وعن حقيقة هذا الأمر الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، ومنهم من كان يسأل سؤال إنكار، وسؤال استهزاء، وسؤال سخرية.
ثم ربنا جل وعلا أجاب عن هذا السؤال: عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون، فدلَّ ذلك على أن الفاعل في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ إنما هو المشركون والمعاندون، والذي يتساءلون عنه عبَّر عنه القرآن الكريم هنا: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.
قال بعض المفسرين: إن سؤالهم كان عن البعث وعن يوم القيامة، وهذا قول أكثر المفسرين، وآخرون رأوا أن سؤالهم كان عن القرآن الكريم، وذهب فريق ثالث إلى أن تساؤلهم كان عن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وعما جاءهم به.
والصحيح أن تساؤلهم كان عن كل ذلك؛ ولذلك القرآن عبَّر عنه بـ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾؛ فبعد انقطاع الوحي، وعلى فترةٍ من الرسل، يأتي رجلٌ منهم يخبرهم أنه رسول من عند الله عز وجل، ويأتيهم هذا الوحي، يأتيهم بالقرآن الكريم الذي لم يألفوه أبدًا ولم يسمعوا مثله أبدًا، والذي أعجز بلغاءهم وأخرس ألسنتهم –وهم البلغاء الفصحاء الذين كانوا يفتخرون على سائر الأمم والشعوب بما أُوتوا من مَلَكات وبيان– ويخبرهم أن وراء هذه الحياة حياةً آخرة، وأنهم سيُبعثون بعد الموت وسيحاسَبون على أعمالهم في هذه الحياة الدنيا، هذه أنباء عظيمة جليلة.
ولذلك كانوا يتساءلون عن حقائق هذا الدين، عن الوحي، عن القرآن الكريم، وعن أصول الإيمان من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والرسل والقضاء والقدر، وكانوا يتساءلون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعما يصيبه، وما جاءهم به، وما حصل له، فكانوا يتساءلون عن كل ذلك.
ومع أن كلمة «النبأ» الأصل فيها أنها تدل على الخبر العظيم… ومع ذلك وُصِف هنا بأنه نبأ عظيم، ووُصِف هذا أيضًا بقوله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾، وقد كانوا مختلفين في كل ذلك؛ تكلموا في كتاب الله عز وجل وتساءلوا عنه، وتكلموا فيما أتاهم به من حقائق البعث والحساب ومن حقائق الإيمان، وتكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يصيبه، عن أحواله.
وجاءت هذه السورة الكريمة للرد عليهم بإقامة الحجج العقلية والمواعظ القلبية، ونصب الشواهد لهم –كما هو الشأن في أغلب القرآن المكي– لدعوتهم إلى الاعتبار والاتعاظ وترك هذه المجادلة والمماحكة، ونبذ الحيرة إلى اليقين والإيمان والتصديق، بالنظر فيما نصبه لهم ربنا تبارك وتعالى من آيات في هذه السورة تتعلق بحقائق الحياة، وبالآيات التي يرونها منصوبةً أمامهم، وتربط ذلك كله بحقائق الآخرة، وأن ذلك يسير على الله تبارك وتعالى.
فهذا ملخص لمطلع هذه السورة الكريمة، وقد تسنح فرصة للحديث فيها مطولًا إن شاء الله تعالى.