⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحقيقة أنه بقطع النظر عن الأحوال الاقتصادية التي نمر بها ويمر بها العالم اليوم، فإن منهج المسلم في الإنفاق قائم في أصله على التوسط والاعتدال؛ فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]، وقال قبلها: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67].
فمنهج المسلم في الإنفاق منهج قائم على الاعتدال؛ فهو ينفق على نفسه وعلى أهل بيته بتوسط واعتدال، دون شح أو بخل، ودون إسراف وتبذير؛ فينفق مما آتاه الله تبارك وتعالى شاكرا لنعمة الله جل وعلا بما يحتاج إليه، يوسع على أهله في الإنفاق عليهم، يؤدي حقوق هذا المال من زكواتٍ واجبة إن وجبت عليه الزكاة، أو من حقوق للفقراء والمساكين تقربا إلى الله تبارك وتعالى، وإحلالا للبركة في ماله؛ «ما نقص مال من صدقة»، ويدخر لأيام حاجته مما يكسبه من عمل يده.
فليس من شأنه أن يبدد هذا المال الذي أنعم الله تعالى به عليه في يومه ذلك، ثم حينما يحتاج لا يجد ما يمكن أن يسد به حاجاته وحاجات أسرته.
وكثيرا ما أُتي المسلمون في هذه الأعصر المتأخرة –للأسف الشديد– من قِبَل إغراقهم في الاستهلاك، فأصبحت كثير من شعوب المسلمين شعوبا مستهلكة، لم تتّقِ جشع التسوق والشراء، والمبالغة في الاقتناء، والدخول –للأسف الشديد– في المباهاة والتقليد، والتوسع في الكماليات وفي وسائل الترف التي يُستغنى عنها الإنسان، لا سيما الشاب الذي يقبل على عمله في أول حياته، وهو بحاجة إلى أن يدخر المال لكي يتزوج، ولينشئ أسرة، وليبني بيتا، وليقتني ما يحتاج إليه، فإذا حاكى غيره، وقلد ذوي البذخ والتبذير، فسيصبح لا مال له، ولن يتمكن من تحقيق مقاصده.
ولذلك فإن الواجب –وهكذا كان هدي السلف الصالح– أنهم كانوا ينفقون باعتدال، ويدخرون لأيام الحاجة، ويعدّون لتقلبات الزمان وصروف الدهر العدة اللازمة؛ فلا ينبغي للمسلمين اليوم أن يفرطوا في هذه الأسس؛ عليهم أن يتخلصوا من ثقافة الاستهلاك الطاغية، ومن هذه النفقات التي لا نفع منها، بل قد تكون مهلكة للأنفس وللأموال.
فكثير من وسائل التسلية والترفيه –على سبيل المثال– لا سيما بالنسبة للشباب، يمكن الاستغناء عنها، في الوقت الذي نجد أن أضرارها أضرار بالغة على الأنفس والعقول، وعلى الشخصيات، وعلى الأموال، وكذا الحال بالنسبة للفتيات؛ فإنهن أيضا يبالغن في وسائل الزينة والتجمّل، كما في وسائل التسلية والترفيه، وفي وسائل التواصل –على سبيل المثال– في اقتناء هذه الوسائل والآلات، وفي تتبع ما يصدر عنها حديثا أولا بأول، وفي الإنفاق عليها بما يثقل كواهلهم بديون كثيرة تدفعهم إلى مضائق في معيشتهم، وليس هذا من الرشد في شيء.
فينبغي للمسلم أن يستلهم من كتاب ربه جل وعلا، ومن سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وما كان عليه سلف هذه الأمة، المنهج الراشد في الاكتساب وفي الإنفاق.
وتمر المجتمعات والأمم بفترات تضيق فيها الأحوال، ويمكن أن تتحسن فيها الأحوال؛ فينبغي للمسلم دائما أن يُعِدَّ لكل حالٍ من الأحوال العُدّة اللازمة، وفي أوقات الشدائد، وفي الظروف الصعبة التي تمر بها المجتمعات والشعوب والأوطان، لا بد أن يترك المسلمون مظاهر الترف والبذخ في الإنفاق في كل وجوه هذه الحياة؛ فيأخذوا أولاهم يتقربون إلى الله تبارك وتعالى بما فيه سبب لدوام النعم؛ بحيث إنهم يتخلصون من مظاهر الإسراف والتبذير، ومن الإنفاق الذي لا طائل له من ضياع المال.
ثم إنهم يتعلمون هذا المنهج المعتدل، ثم إنهم إن كانت لهم فضلة من مال فإن نفوسهم حينئذ ستسخو بها على من لا مال له من الفقراء والمساكين، ومن المعوزين، ومن ذوي المَسْغَبة في المجتمعات الذين يعانون لأواء شديدة من جرَّاء أمثال هذه الظروف؛ فذلك أنفع لهم في دنياهم وفي عاقبة أمرهم: في دنياهم بما تحدثه الصدقة من أنها تقي ميتة السوء، وتقي مصارع السوء، وتدفع البلاء، وفي آخرتهم بما أعده الله تبارك وتعالى لهم في الجنان العالية.
كما أنها تحفظ ثروة المجتمع؛ فالله تبارك وتعالى حينما يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] التي جعل الله لكم قياما، وفي قراءة: «قِيَما»، لأن المال هو قِوام هذه الحياة؛ فنهى الله سبحانه وتعالى عن إيتاء هذا المال إلى السفهاء، مع أنها أموالهم، ولكنه مع ذلك قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾؛ لأن المال –مع أنه مِلْك لفرد– إلا أن منافعه وآثاره يمكن أن تعود على المجتمع كله.
فلا بد من الالتفات إلى هذه المعاني، وإلى هذه التوجيهات القرآنية والنبوية، وأن نحمل أنفسنا عليها، حتى لا نجد أنفسنا في كرب شديد لا نقدر على الخروج منه، وما ذلك إلا لما اعتدناه من نمط البذخ والإنفاق في إسراف وتبذير، والله تعالى المستعان.