⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ثانيا فيما يتعلق بالجواب عن مسائله التي سأل عنها، فينبغي لنا أن نفهم أولا أن سورة نوح وهي تتناول قصة نوح كاملة باختصار وإيجاز، كما هو الشأن في بعض السور التي يكون موضوعها قصة واحدة، وأبرز مثال على ذلك سورة يوسف وهذه السورة نوح، ففهم الجو العام للسورة يعين على فهم الجزئيات فيها.
فهنا نوح عليه السلام بعد أن قضى ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه، فإنه يقدم معذرته بين يدي ربه تبارك وتعالى، يعتذر إلى ربه ويدفع عن نفسه الملام، ويبين سعيه الذي كان يبذله في قومه.
إذا لو كانت الأعمال تقاس بمعدود النتائج، فإن نوحا عليه السلام وقد مكث ألف سنة إلا خمسين عاما، قال عنه ربنا تبارك وتعالى في نهاية هذه المدة، لو تصورنا أنه كان مطلوبا منه أن يقدم تقريرا سنويا بإنجازاته: كم استجاب له في كل عام؟ فيمكن لنا أن ندرك ذلك البذل والعطاء والتضحية والجهد والجهاد الذي بذله نوح عليه السلام فيما لا يقل عن تسعمائة وخمسين عاما.
وهنا وهو يقدم اعتذاره إلى ربه جل وعلا يبين كيف كانت دعوته فيهم، فتحدث عن الوقت؛ فهذا الجزء من الآية يبين أنه ما ادخر، ما ترك وقتا يمكن أن يدعو فيه قومه إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى وإلى عبادته إلا ودعا فيه.
فحينما قال: ﴿إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾، قال: رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا، فإن الليل والنهار مظروفان للأوقات التي كان نوح عليه السلام يدعو فيها قومه، والليل ابتدئ به لأنه وقت ارتفاع أسباب طلب المعايش والانصراف إليها والاشتغال بها، فهو وقت يتيح السماع والحوار من المستمعين المخاطبين، ولذلك ابتدأ به.
وأما النهار فهو يصلح أيضا للبعض، فلا يعني هذا أنه كان يدعو في وقت من الأوقات ليلا وكان يدعو في وقت آخر نهارا، وإنما كانت دعوته مستغرقة للظرف الزماني كله، فكان يدعو بالليل وكان يدعو بالنهار؛ فمن كان له وقت الهدوء والسكون فقد كان يدعوه في ذلك الوقت، ومن كان يصلح له أن يدعوه في وقت الجد والعمل والنشاط فقد كان يدعوه في ذلك الوقت.
على أن هنا أيضا لطيفة قرآنية لا ينبغي أن تفوت المشتغلين بالتدبر في آيات الكتاب العزيز؛ فإن مراعاة الفاصلة القرآنية أمر معتبر في كتاب الله عز وجل، لأن إحداث الأثر السمعي الصوتي للقرآن الكريم مقصود، فمن مقاصد كتاب الله عز وجل أن يؤثر في السامعين، ومن وسائل هذا التأثير التفنن في الأساليب، وهذه الظاهرة الصوتية الجذابة في كتاب الله عز وجل.
ولذلك فإن من التفنن في الأساليب أيضا مراعاة الفاصلة القرآنية، ويُقصد بالفاصلة القرآنية ما تُختم به الآيات، وهذه الآية وما يأتي بعدها كلها تنتهي بنفس الفاصلة القرآنية، فروعي هذا الأمر أيضا في تقديم الليل على النهار.