⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحج يجب عليه أن يستشعر عِظَم المقام، وأن يستشعر إقباله على الله، قد خرج من داره وودَّع أهله وترك أولاده وراءه، وترك وطنه، وودَّع الدنيا بأسرها بتجرُّده في ثوبين لم يكن أَلِفَ لمسهما، وودَّع زينة هذه الحياة الدنيا بتركه ما تركه من طيب ومن سائر متع هذه الحياة الدنيا التي هي متعة شهوانية.
فجدير به أن يكون مستصحبًا لتقوى الله تبارك وتعالى في عمله، وألا يقع في هذه الأمور. عجبًا من أمر هذا الرجل، كيف وهو أمام البيت الحرام يردِّد نظراته إلى النساء الأجنبيات، وما الذي يعنيه من أمره! على أن الإنسان مأمور دائمًا أن يغض من بصره، وذلك هو الذي يورثه كبح جماح شهوته، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]، فحفظ الفروج سببه غض البصر، ولذلك ذُكر حفظ الفروج عقب ذكر غض البصر.
فكيف لهذا الإنسان يُطلق لبصره العِنانَ ليقع على محارم الله سبحانه وتعالى، ثم مع هذا ألا يستشعر أنه بين يدي الله سبحانه وتعالى وأمام بيته! كيف في هذه الحالة يَجْتَرِئ على مثل هذا الأمر المنهيِّ عنه في جميع الأوقات! على أن الله سبحانه قرن بين الحجِّ والتقوى، يقول سبحانه وتعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197]، ومنهيٌّ عن الرَّفَث ولو كان في أصله حلالًا، هو محرَّمٌ عليه أيُّ شيءٍ مما يتعلق بمباشرة النساء، ولو كان في الحلال، يُحال بينه وبين امرأته، يُحال بينه وبين حِرْثِه التي هي حلالٌ له، فكيف بسائر النساء.
ثم مع ذلك هو مأمور أن يتزوَّد التقوى، ومعنى ذلك أنه لا يقع في شيء مما هو فُسوق، أي خروج عن طاعة الله، عليه أن يلتزم طاعة الله في كل دقيقة وجليلة، وألا يُقدِم على شيء من محارم الله سبحانه وتعالى، فكيف يسمح لنفسه أن يقع في مثل هذه الأشياء؟ لا ريب أنه وقد فعل ما فعل فإنه لم يتزوَّد التقوى في حجه، لم يحاول أن يُروِّض نفسه على تقوى الله سبحانه.
فأنا لا أدري إلى أي حدٍّ وصل في انتهاك الحرم، ولكن مهما يكن فإن أمره أمرٌ جلل، وأنا أنصح مثل هذا الرجل -احتياطًا- أن يحرص على إعادة الحج، لعلَّه يتمكَّن في حجته الثانية على ترويض نفسه على تقوى الله سبحانه وتعالى، ليجعل هذه الحجة الثانية حجةً احتياطية لتكون بدلًا عن هذه الحجة التي لم يتق الله فيها.