⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اولا هذا السائل جعل الاسئلة التي يريدها في ثلاثة محاور، اولها ما هي النصيحة لهم هم اي للشباب يمنةً ويسرى في هذا الموضع.
أقول: إن الإنسان المسلم وهو يقطع هذه الحياة لا يخلو حاله من الشبه، ولا يخلو حاله من الفتن. الله سبحانه وتعالى ائتمن الإنسان على أمانة الاستخلاف، جعله مستخلفا في هذه الأرض، وجعل ثوابه إن هو استقام على منهج الله سبحانه وتعالى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، وإن هو لم يستقم على منهج الله سبحانه وتعالى فلن يكون مصيره عياذا بالله تعالى إلا نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى.
وهو قبل هذين المصيرين، قبل الجنة والنار، يمكنه أن يعيش في هذه الحياة سعيدا هانئا، مطمئن النفس، مرتاح البال، ويمكن أن يعيش في هذه الحياة شقيا وقلبه منقبض. والناس لعلكم ترونهم في هذه الحياة: الثراء والمال وغيره، هذا كله لا يثمر سعادة في الحياة إن أردنا السعادة التي هي بمعنى الاطمئنان والسكينة وراحة البال؛ المال والرفاه الدنيوي كله لا يقتضي ذلك، بل الذي يقتضي ذلك هو القيام بأمر الله سبحانه وتعالى والاستقامة على منهجه.
عملي كما تعلمونه في الإفتاء، وقبل ذلك كنت في القضاء، وكم يأتي أناس عندهم من الثراء ما عندهم، وعندهم مما بسط الله تعالى لهم في صحتهم وفي أموالهم وفي أولادهم، لكنه ما يفضي واحد منهم بما في قلبه، بما تكنه نفسه، إلا ويسأل الإنسان ربه سبحانه وتعالى ألا يوقعه في مثل هذا المصير، فإنه يبدو عليه من الضيق والضنك والتعب ما عليه، وما ذلك إلا لأنه لم يراع الله سبحانه وتعالى في تصرفاته. والواقع يثبت أنه بقدر قرب الإنسان من ربه سبحانه وتعالى يكون استقرار نفسه، ويكون اطمئنانه، ويكون هدوء باله، وبقدر بعده عن الله سبحانه وتعالى يكون شقاء الإنسان.
ومن هنا لم نجد عجبا أن نرى أناسا كثيرين يمد الله تعالى لهم من الرزق ما يمدهم، إلا أن هؤلاء يعيشون ضيقي النفس. كنت خارج البلد في بلد يعني سكانه غير مسلمين لأجل بعض المهام والأعمال، فرأيت في شوارع تلك الحاضرة من حواضر العالم كله على كراسي المارّة في الطريق، في وسط الطريق، هو نائم وملتحف بلحاف، وبقربه في أحيان كثيرة كلب، وقد يكون بقربه عياذا بالله تعالى قنينة خمر أو زجاجة خمر، فيبقى هذا نائما، أمرّ عليه في الصباح وأمرّ عليه في المساء، الناس يمضون حياتهم المعتادة، لكن هؤلاء نائمون على مثل هذه الكراسي العامة، الكراسي العمومية التي تعرفونها في وسط الطريق.
فكنت أسأل من كان معي، رحمه الله تعالى، هو أفضى إلى ربه الآن، كنت أسأله: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء أناس ميسورون، أناس واسعوا الثراء، وتحقق لهم في هذه الحياة كل شيء يريدونه، لكنهم تضيق أنفسهم، ويشعرون بأن هذه الحياة هي سجن من سجونهم، لذلك يخرجون من تلك القصور التي عليها، يريدون أن يهربوا من الحياة، ويقيمون في هذا المكان الذي تراهم، وليس معهم حينها إلا كلب من كلابهم، ومعهم قنينة خمر، فهو يبقى نائما، يقضي طيلة يومه نائما، ما إن يستيقظ إلا ويشرب شيئا من الخمر، أعاذنا الله تعالى من ذلك كله، ثم يرجع لنومه.
والحكومة لا تترك هؤلاء على هذا الحال، بل خصصت موظفين لأجل أن يأتوا إلى هؤلاء وأن ينظفوهم بين الفَيْنَة والأخرى. ما السبب في ذلك؟ هذا الثراء الذي معهم لم يكن سبيلا من سبل سعادتهم، ولم يكن سبيلا من سبل اطمئنانهم في هذه الحياة.
نعم، كلنا ننظر إلى ما ينقصنا في هذه الحياة، لكننا لا ننظر إلى أن الأمر الذي يكفل لنا السعادة والاستقرار هو راحة البال واطمئنان النفس، ولن يجد الإنسان راحة البال واطمئنان النفس إلا حينما يفي بما بينه وبين ربه سبحانه وتعالى، هنالك يطمئن الإنسان، حينما يوحد القصد في هذه الحياة، أنه لا يريد سوى وجه الله سبحانه وتعالى، فلا يتحرك ولا يسكن لإرضاء أحد، وإنما هو لإرضاء الله سبحانه وتعالى وحده، هنالك يطمئن الإنسان، وهنالك يسعد فقط.
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 124-126]، فمن يعرض عن ذكر الله سبحانه وتعالى تصبح حياته عسيرة. وهذا كله يفسر لكم حالات الانتحار على البشرية كلها، فكم هم الناس الذين تنضح ألسنتهم بما يعتمل في قلوبهم من كراهية وبغض لهذه البشرية كلها، وليس لذلك سبب سوى أن هؤلاء بعيدون عن الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، فكل ما في السماوات وما في الأرض هو مسبح لله. ومن هؤلاء أعضاء الإنسان التي يقوم بها كيانه وجِسمُه، هي كلها تسبح لله، وهي التي ستشهد عليه يوم القيامة عند الله سبحانه وتعالى حينما كان الإنسان في حياته لا يستتر عن أعضائه التي ستشهد عند الله سبحانه وتعالى على هذا.
فالذي يخالف أمر الله سبحانه وتعالى ويعارضه ولا يلتزم بأمره هو الذي يعيش في هذا الضنك وفي هذا العَنَت والسُّوم، والابتسامة الظاهرة التي قد نراها ترتسم على بعض الوجوه، أو نرى أصحابها يعبرون عنها في وسائل التواصل التي ندركها الآن، هذه الابتسامة على حسب الواقع الذي رأيته، على حسب التجارب الكثيرة التي عُرضت عليّ، هذا الواقع كله يخفي في الداخل أنفُسا بائسة، يخفي في الداخل أنفُسا قد أضناها التعب والإرهاق والسير نحو هذه الحياة، والسير نحو تلبية متطلبات النفس دون أن يلبي الإنسان متطلبات الروح.
وربنا سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان جعل له من الشرائع ما يكفل له سكينته واطمئنانه في هذه الحياة.
قدمت بهذه المقدمة اليسيرة لأجل أن أَبُثّ، أيها الشاب السائل، أمرا، هو أنه عليك أولا أن تصلح علاقتك بربك سبحانه وتعالى؛ لأن الإنسان الذي يجعل هواه مع ما يريده الشرع، الذي يجعل انتقاله وتحركه وسيره في هذه الحياة وفق ما يحبه الله سبحانه وتعالى، لن تتراءى له مظاهر هذه الحياة التي تتعارض مع وجه الله سبحانه وتعالى إلا كَالِحة سوداء مُفَحِّرة؛ لأن هذه المظاهر بعيدة عن الله سبحانه وتعالى.
لكن الشخص البعيد عن الله، الذي لم يُحْكِم علاقته بالله سبحانه وتعالى، هذا هو الذي يمكن أن تتبرج له هذه المتبرجات كلها، ويمكن أن تعشقها نفسه. أما الذي يثبت نفسه بالله سبحانه وتعالى فالله يثبته بالقول الثابت، بمعنى أنه سيبقى مع الله تعالى. لذلك فأولى واجباتك حينما تواجه مثل هذا الأمر، أنت تواجهه في الوسط الذي تدرس فيه الآن، وستواجه أعظم منه في هذه الحياة، لكنك إن كنت ثابت القول، إن كنت قد أسست بنيانك على تقوى من الله ورضوان، فإن الله سبحانه وتعالى سيحفظ لك بنيانك هذا، فإن الله سبحانه سيثبتك أمام هذه الفتن كلها.
ولعلك ستكون من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر من هؤلاء: «ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال: إني أخاف الله»، وأنت ستكون مثل هذا، هذا لم يقل: إني أخاف الله، إلا لأنه أسس نفسه على تقوى من الله ورضوان.
أحكم الصلة بالله سبحانه وتعالى، لا تجعل الله سبحانه وتعالى أهون الناظرين إليك، ارجع إليه بالتوبة وبالإنابة والإحسان.
ثم إن عليك لأجل إحكام الصلة بالله سبحانه وتعالى أن تجعل في نفسك أمرا، هو أن تكون العلاقة بالله تعالى مباشرة، وذلك بأن تكون عباداتك، خصوصا العبادات التي هي في الخفاء، أن تحافظ عليها حق المحافظة؛ فإن عبادات الخفاء هي سبب الثبات على دين الله سبحانه وتعالى. عبادات الظهور هي واجبة، يجب عليك أن تحضر الصلاة مع الجماعة، يجب عليك أن تجعل أمر الله سبحانه وتعالى... كن حريصا على طاعة الله سبحانه وتعالى في هذه القضايا وفي الخفاء، وبذلك سيكفل الله سبحانه وتعالى لك الثبات والاستقرار.
ثم إنه لا بد من أن تراعي الوسط الذي توجد فيه؛ من يوجد نفسه في وسط يذكره بالمعصية ويحبب المعصية إليه ولا يذكره بالله سبحانه وتعالى، فهذا هو الأَدْعَى إلى أن يتأثر بهذه المظاهر، هذا هو الأَدْعَى إلى أن يتساقط على الطريق. أما الذين لا يوجدون أنفسهم إلا وسط الصالحين الذاكرين لله سبحانه وتعالى فهؤلاء هم الذين سيثبتون.
ربنا سبحانه وتعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي صُنِعَ على عين الله سبحانه وتعالى، وهو الذي حُفِظ بحفظ الله سبحانه وتعالى، يقول له سبحانه وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنا أعلم أنه قد يَعْسُر عليك أن تبقى مع الصالحين لاختلاف الطبائع ونحو ذلك، لكن عليك أن تثق أن إيمانك لن يَصْدُق، يقينك بالله سبحانه وتعالى لن يستمر، وأن بقاءك على الطاعة لن يدوم إلا إن كنت وسط لفيف من الصالحين. الذين يكونون بعيدين عن الله سبحانه وتعالى نفسك تريد أن تبقى معهم، نفسك تريد؛ لماذا؟ لأن في ذلك مسارعة إلى النفس وهواها، فالذين لا يقومون على الطاعة هم الذين تسارع النفس إليهم. لكن حاضِر كل المحاضرة، أم تأتيني الآن لتطلب الدواء ولتطلب العلاج والنصح لأولئك النساء اللائي يتبرجن، وأنت لم تحفظ نفسك قبل ذلك؟ هذا معناه أنك لن تنتشل نفسك، بل ستبقى في هذا الاضطراب النفسي الكبير، لأن العين ترى ما لا يستطيع الجسد الوصول إليه، تبقى في شقاء بالغ، وهذا ما لا أريدك أن تبقى فيه.
بل ابقَ مع الصالحين، إن قصّرت، أو إن أدى بك التقصير إلى أن تتساهل في بعض المعاصي، لأجل أن ترجع بإذن الله سبحانه وتعالى إلى طاعة الله تعالى، ودون البقاء مع الصالحين والسير معهم فلا أظن أنك ستستطيع مواجهة فتنة هذه الحياة؛ فإن فتنها عظيمة، من أنت حتى تواجه هذه الحياة؟ من أنت حتى تواجه الشيطان الرجيم الذي تكفل أمام رب العزة والجلال على أن يستصحب في جهنم كثيرا من الإنس لأنه سيغويهم، وسيملي لهم بعض مساوئه، وسيزين لهم الشهوات؟ من أنت دون رفقة الصالحين حتى تستطيع أن تواجه النفس الأمارة بالسوء التي قال يوسف عليه السلام: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53]، ويوسف عليه السلام! من أنت يا هذا حتى تستطيع مواجهة هذه الفتن وأنت بعيد عن الصالحين، بعيد عن أن تنضم إلى لفيفهم؟
وربك سبحانه وتعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: 1-10]. هذا عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه بقي مع هؤلاء بعد اجتهاده صلى الله عليه وسلم في تحقيق المصلحة، بقي مع هؤلاء المشركين.
نزلت آيات تتلى إلى يوم القيامة، وهو الذي يتلوها والصحابة خلفه، ومن هؤلاء الذين خلفه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، وهو يرى أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، وأن لا يعبس في وجهه، وأن لا يتولى عنه؛ لأنه إنسان صالح، مستقيم على أمر الله تعالى.
لذلك بعد أن ترسخ قدمك في الطاعة لله، بعد أن تجعل نفسك مخلصة لله تعالى في كل أحوالك، لا بد من رفقة الصالحين الذين يقربونك إلى الله سبحانه وتعالى، وإياك أن تضجر منهم لمجرد أنهم قد يخالفون هواك، أو لأن طبائعهم لا تتوافق مع طبعك؛ أنت لا تريد طبائعهم بقدر ما تريد الثبات على دين الله سبحانه وتعالى، وبذلك سيرزقك الله تعالى الثبات على دينه.
ثم إن هذه القضايا: التبرج ونحو ذلك، هذه القضايا الباعث إليها هو النظر؛ النظر هو الرائد في هذا. القلب لا يعتمل فيه إلا ما يرسله إليه النظر، فأنت إن لم تغض البصر، إن لم يكن قلبك وبصرك مشغولا بغير هذه المناظر، فلتعلم أن هذه المناظر لن تؤثر عليك... يقولون إن هناك شهوتين هما متباينتان: أولاهما شهوة البطن، وهذه داعيها داخلي وباعثها داخلي، فالإنسان بمجرد أن يخلو بطنه، بمجرد أن يجوع، سيطلب بطنه الأكل مباشرة دون سبب خارجي، أما شهوة الفرج فهي تباين ذلك؛ لأن شهوة الفرج باعثها وداعيها خارجي، بمعنى أن هذه الشهوة لا تتحرك في الإنسان إلا أن رأت ما يحركها، ويحركها اللمس، أو يحركها الشم، أو يحركها البصر، لكن البصر هو الأكثر، هو الأكثر الذي يحرك شهوة الفرج.
لذلك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30]، قال الفقهاء: إن الله سبحانه وتعالى أمر بغض البصر أولا، ثم بعد ذلك أمر بحفظ الفرج؛ لأن حفظ الفرج لا يستقر للإنسان إلا أن حفظ بصره قبل ذلك.
عليك أن تحتقر مثل هذه المناظر، لا أن تنظر إليها بعين الإكبار، فإنك ما إن نظرت إليها بعين الإكبار إلا استحلاها قلبك. حينما ترى مثل هذه المظاهر وأنت مُجبَر على النظر إليها، ولم يكن لك مجال أن تغض البصر عنها، فعليك أن تنظر إليها هنا بمنظر الشفقة؛ كيف أن هؤلاء اللائي يُظهرن عوراتهن، اللائي يتبرجن، كيف أنهن بعيدات عن الله، كيف أنهن يشقين الساعة والساعتين والثلاث ساعات لأجل أن تجهز الواحدة نفسها، كيف أنهن يشقين لأجل أن يطلب هؤلاء كلهم الإعجاب بالآخرين، سواء كان صورة في وسائل التواصل أم كان ذلك حضورا أمام الآخرين؛ هذا كله طلب للناس وطلب لرضاهم، وليس ثَمَّ أشقى من الذين يطلبون رضا الناس في هذه الحياة، هؤلاء هم الأشقياء حقا في هذه الحياة.
إن استحضرت هذا كله، فإنك لن تنظر إلى هذه المظاهر إلا منظر المُشْفِق على هؤلاء، ليس منظر المعجب بهؤلاء النسوة، وبذلك سيكتب الله تعالى لك الثبات، وستَمْضي هذا كله.
مع أمر بعثت إليه الشريعة: أنه في حال اليسْر، في حال القدرة، على الإنسان أن يعفّ نفسه، والإعفاف يكون بالزواج، وقد يكون بالصيام؛ الصيام الذي يكون لله، العبادة التي تكون لأجل هذا الغرض، هي التي تحفظ الإنسان. إن يسر لك أمر الزواج، فإياك أن تتأخر عنه، الزواج فطرة بشرية أحكمتها الشريعة الإسلامية، ونَدْعو الناس إليها؛ لأنه لا صلاح للناس إلا بالزواج. دعك من الغثاء الذي ينتشر كثيرا الآن الذي ينفر من الزواج، هؤلاء أناس فاشلون في حياتهم، هؤلاء لا يرون إلا إرواء نَهَمِهم، هؤلاء ضعاف لا يستطيعون أن يتحملوا أسرة، لا يستطيعون أن يتحملوا القِوامة، ولذلك هم يقولون هذا القول، هؤلاء ضعفاء، هؤلاء دائما هم في بؤس، هم أشقى الناس.
أما الفطرة السديدة التي عليها الأسوياء من البشر فهي الزمان، يُيسر لك الزواج فلا تتأخر عنه، لماذا تتأخر عنه؟ هو عبادة من العبادات، وقربة من القرب، سنة من سنن المرسلين، عليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عليها الصالحون من الأمة، فلا تتأخر عن الزواج إن يُسِّر لك. إن لم يُيسَّر لك، فانظر الأسباب التي تعينك على التأثر بمثل هذه المظاهر، واتقِ الله تعالى فيها، وسيجنبك الله تعالى هذه الفتن كلها.
هذا ما يتعلق بالشطر الأول من السؤال، وهي: ما هي النصيحة؟ هذه نصيحتي لي، ونصيحتي لكل أحد يريد أن يقيم على طاعة الله سبحانه وتعالى.
لكل من تظهر عورتها من الشعر أو من جسمها: هذا الإظهار للعورات هو في حقيقته... نحن كما نقول: إظهار الشعر، وإظهار مفاتن الجسد، هذه أمور حرمتها الشريعة، الشرائع السابقة كلها تحرم هذا الأمر، دعك من كثير من الناس الذين يسوغون المعاصي، نحن لا كلام مع هؤلاء، لا يستطيعون، يريدون أن يثبتوا هذا الأمر لضعفهم ولسوء طواياهم، يريدون أن يثبتوا أن الشريعة لا تتعارض مع هذا الأمر، العلماء من أولهم إلى آخرهم مجمعون، وهم حملة الشريعة، هم الذين يفسرون النصوص الشرعية، مجمعون على أن المرأة لا يحل لها أن تُظهر شيئا من عورتها، لا يحل لها أن تظهر شيئا من شعرها، اتفاق الأمة متحقق.
ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]، ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، هذا الجلباب السابغ. لا نتكلم الآن عن الشعر فحسب، بل هن يدنين عليهن من جلابيبهن، أي أن المرأة تدني جلبابها عليها فتستر نحرها وتستر جسدها، ذلك أدنى أن يُعْرَفْنَ فلا يُؤْذَيْن، هذا واجب، وهذا الذي عليه نساء المسلمين في كل زمان، بل الشرائع كلها، النصارى وغيرهم كلهم على هذا الحال، لكن الشيطان هو الذي يسلخ الناس من دينهم، الشيطان هو الذي يدعو الناس إلى أن يظهروا عوراتهم.
وبقدر –أيتها الفتاة وأيتها المرأة– بقدر ما تُظهرين من عورتك، مما أمرك الله تعالى بستره، يكون إظلام قلبك، يكون شقاءك، يكون بؤسك، وما حالات الانتحار، وطلبات بُغْض الحياة وكَرَهِها إلا عنوان على ذلك. بقدر يكون سترك لما أمرك الله تعالى بستره تكون سكينة نفسك، يكون الرضا بالحياة، تكون السعادة فيها. أما الإظهار فلا يكون معه –عياذا بالله تعالى– إلا الشقاء، إلا الاضطراب في هذه الحياة.
الستر وعدم إظهار الشعر، وعدم لبس الذي يَصِف والذي يَشِفّ، هذا كله محرم، لا يجوز، لا نقاش فيه، إنما يناقش من يريد أن يسوغ نقصه، إنما يناقش في هذا الأمر من يريد أن يسوغ معصيته، إنما يناقش في هذا الأمر من يريد أن لا ينظر الناس إليه على أنه مقصر في حق الله تعالى. أما الحكم الشرعي فأهله كلهم متفقون على هذا الأمر: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31]، ويحفظن فروجهن. ربنا سبحانه وتعالى أمرها بغض البصر كما أنه أمرها أن لا تُبدي زينتها، هنا في النهي عن إبداء الزينة، الشعر –إلا ما ظهر منها– الشعر كله من الزينة، الساقان هاتان اللتان تبديهما كثير من الناس، هما من الزينة المحرمة، كل ذلك من الزينة المحرمة التي لا يجوز إبداؤها.
نحن سنتفق على هذا، لكنني أريد أن أؤكد شيئا هنا: أن هذه الزينة، أو أن هذا الفعل الذي تقوم به المرأة، هذا الفعل هو نتاج لمعصية، أو نتاج للوجود في أجواء سيئة، أو مع صحبة سيئة، هو الذي يدعوها إلى هذا الأمر. أما الشرع فأموره جلية.
الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر الرجال الذين يؤذون الناس، ثم قال: «ونساء كاسيات عاريات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». من أهل النار نساء كاسيات عاريات؛ هي كاسية بمعنى أنها قد لبست شيئا، ليست عارية كل العري، العري كله هو من شِيَمِ الحيوانات، بل الحيوانات تستتر، كما قال ربنا: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 179]. ثقافة العري الموجودة الآن، هذه الثقافة ما هو مبررها؟ ما هو مسوغها؟ لا جمال في الإنسان العاري، مسوغها هو أن هؤلاء لم يجعلوا لأنفسهم قيودا، وأن هؤلاء قد ضاقت بهم الدنيا، وأرادوا أن يجربوا كل جديد.
هؤلاء لسن عاريات كل العري، وإنما يُظهرن شيئا من عوراتهن، تُظهر شعرها، تُظهر يديها، تُظهر نحو ذلك، تلبس الضيق الذي لا يستر شيئا، أو الذي يصف العورة: «كاسيات عاريات، مائلات مميلات»، أي أنها تميل في حديثها، وهي تميل الآخرين، كأنها تدعو الناس: انظروني، تعالوا إليّ، هؤلاء من أهل النار، شاءت المرأة أم أبت، شاء أتباع الشيطان أم أبوا، هذه هي. إن كنا نريد الشريعة فهذه الشريعة، والشرائع كلها على هذا الحال: هذا محرم، هذا لا يجوز.
أنت تريدين أن تسوغي نقصك، أن تسوغي تقصيرك، الأمر إليك، أنت منتهِكة، عاصية لأمر الله سبحانه وتعالى، سَمّي هذا ما تشائين. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، هذا تكييفه هو أنه محرم، لا يجوز، سنتفق على هذا الأمر.
بعد ذلك ثقي كل الثقة، مهما كان أولياء الشيطان وأتباعه يزينون هذه المعصية، ثقي كل الثقة أنك –وأنا على يقين من هذا لعشرات القصص التي اطلعت عليها– أنه ما وجدت هؤلاء النسوة أو الناس الشاردون عن الله تعالى السكينة ولا الطمأنينة إلا بعد أن التزموا بأمر الله سبحانه وتعالى.
لذلك إن أردتِ الراحة في الحياة، إن أردتِ الطمأنينة والسعادة فيها، فلن تجدي الطمأنينة مع أرباب الشهوات، إن أردتِ الراحة لن تجديها مع التبرج والسفور. أول حديثي: بقدر ما تسترين ما أمرك الله بستره ستكون سكينة نفسك، وسيكون رضاك عنها في هذه الحياة، وبقدر ما تظهرين يكون شقاؤك في هذه الحياة.
لذلك لا بد من أن تدركي هذا الأمر، إن لم يكن هنالك ولِيٌّ يُدْرِك، فأنتِ أدركي هذا الأمر، وإن كان هنالك وليٌّ يُدرك هذه، ويرى هذا المنكر ويرضى به ولا يغير ساكنا، فهذا عقابه –عياذا بالله تعالى– مثل هذه المرأة؛ لأنه هو الذي رضي السوء في أهله.
النصيحة للشباب الذين يتتبعون عورات بنات المسلمين: هذا لعله أَجَبْتُ عنه بتيسير الله سبحانه وتعالى بقدر ما يسَّر الله تعالى في الشق الأول.
آخر الأمر أقول للشاب، للشابة، للكهل، للشيخ، للصغير: طاعة الله تعالى هي السبب الأوحد الذي يكفل لنا الاستقرار والاطمئنان في هذه الحياة، لن نجد السكينة لا في المناهج الشرقية، ولا في المناهج الغربية، ولا في إرضاء فلان ولا في غيره، لن نجد السكينة في غير طاعة الله سبحانه وتعالى، لن نجد الرضا عن النفس في غير طاعة الله تعالى؛ لذلك علينا جميعا أن نحرص على هذا الأمر، إن لم يكن من باب التعبد لله فليكن ذلك من باب طلب السكينة في هذه الحياة والرضا.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعا حلاوة مناجاته، وأن يرزقنا الله تعالى الأخيار.
والله تعالى أعلم