⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
بارك الله فيكم عبد الرحمن، وشكر الله تعالى جهودكم الطيبة هذه، ونحن نقوم بواجب، ونستفيد من الأسئلة التي تطرحونها أنت وإخوانك جميعا الذين يبعثون بأسئلتهم إلينا، ونسأل الله تبارك وتعالى لنا ولكم الخير والهدى والتوفيق.
أما الجواب عن هذه المسألة: فالحجاب باختصار شديد فريضة شرعية واجبة، أخذت حكمها من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجمعت الأمة على فرضية الحجاب، وبه عملت نساء المسلمين منذ عهد أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن، والصحابيات الكريمات رضي الله تعالى عنهن، والنساء المؤمنات عبر تطاول الأزمنة وتقادم العصور إلى زمننا هذا بحمد الله تبارك وتعالى.
فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59]، فهذا أمر من الله تبارك وتعالى لعموم نساء المؤمنين، وابتدأ عز وجل بخطاب نبيه عليه الصلاة والسلام في أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، ثم في بناته عليه الصلاة والسلام، وهن في الذروة، في المنزلة الرفيعة في قلوب المؤمنين جميعا، ثم عمم الحكم لعموم النساء المسلمات: ﴿قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والنساء عموما جميعا، لم يقيِّد هذا بوقت، ولم يجعله في وقت أداء الصلاة، أو يرخص لهن خارج الصلاة، أو في وقت دون وقت، وإنما هو حكم عام شامل.
نعم، وهذا القيد الذي ورد في الآية: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ لم يقل أحد من أهل العلم إنه عِلَّة للحكم، لم يقل أحد من علماء هذه الأمة في هذه العصور والقرون المتتابعة إن عِلَّة الأمر بالستر وبإدناء الجلابيب إنما هو مقيَّد بعِلَّة: ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾، وإنما هذه حكمة من الحِكَم التي أودعها الله تبارك وتعالى في لباس المرأة المسلمة.
نجد في سورة النور قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ثم قال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.
نعم، هذا أمر واضح صريح بأقوى المؤكدات اللفظية في كل مفردة من هذا الجزء من الآية الكريمة: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، كل كلمة منها –كما تقدم في جواب سابق– استعملت غاية المؤكدات اللفظية ليتأكد هذا الحكم الشرعي.
في نفس هذه الآية الكريمة في آخرها نجد أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾، يصل الأمر إلى هذا الحد: ألا يضربن بأقدامهن بقوة حتى لا ينكشف شيء من زينتهن، شريعة تأمر النساء –حتى في مشيتهن– ألا يضربن بقوة حتى لا يظهر شيء من زينتهن؛ كيف يُتوقَّع أن تسمح بإظهار الرأس أو شيء من الرأس، أو إظهار الجيب، النحر أو الصدر، أو إظهار شيء من الأقدام أو الأذرع، والقرآن الكريم يقول: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾؟ نعم.
فهذا ما فهمته النساء المؤمنات؛ فأم سلمة رضي الله تعالى عنها لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام في حديث الإسبال الشهير، قال: «إِزَارُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَلَا بَأْسَ –أو: لَا حَرَجَ– فِيمَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ»، قالت: والمَرْأَةُ يا رسول الله؟ هي فهمت أن هذا الحكم عام، لما قال عليه الصلاة والسلام: «إِزَارُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَلَا بَأْسَ –أو: لَا حَرَجَ– فِيمَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ»، قالت: والمَرْأَةُ يا رسول الله؟ قال: «تُرْخِي شِبْرًا»، نعم، فقالت: إذاً ينكشف عنها، أي لا يكفي الشِّبر عن حدِّ إسبال الثوب عند الرجال، نعم، فقالت: إذاً ينكشف عنها، لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُرْخِي شِبْرًا»، قالت: إذاً ينكشف عنها؛ ما الذي ينكشف عنها؟ تنكشف عنها أقدامها، نعم، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: «فَذِرَاعًا، لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ»، نعم، إذاً إذا كانت الأقدام تُستر، فكيف بما سوى الأقدام من بدن المرأة المسلمة؟
ونجد في كتاب الله عز وجل أن الله تعالى أيضا يقول: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور: 60]. نعم، سماهن قواعد من النساء، ووصفهن بأنهن لا وطر لهن في النكاح، فلا يشتهين رجالا، ولا الرجال يشتهونهن، ومع ذلك قال: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، رخَّص لهن في التخفُّف من لباسهن، ومع ذلك قال: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، ثم رجع وقال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، فكيف بالمرأة الشابة؟ كيف بالمرأة التي تشتهي وتُشتهى إذا كان هذا الحكم في حقِّ القواعد من النساء؟
فحكم الله تعالى واضح، والأدلة قائمة، والنساء من المهاجرات والأنصار لما أنزل الله تبارك وتعالى قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، ولما أنزل: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ عَدَلْنَ إلى مُروطِهِنَّ –وهي أَكْسِيَة– فاتخذْنَ النساءُ المؤمنات هذه المروط، هذه الأكسية خُمُرًا يغطين بها رؤوسهن، ويضربن بها على الجيوب، واتخذنهن لأجل الجلابيب الساترة، نعم.
وكُنَّ –كما تقول السيدة عائشة– كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليصلي الصبح، وإن النساء متلفِّعات في مُروطِهِنَّ لا يُعرَفْنَ من الظُّلْمة، نعم، يعني متلفِّعات في لِباسِهِنَّ، لا يكاد يُعرَفْنَ أبدا. هكذا كانت النساء من المهاجرات والأنصار عليهن رضوان الله تعالى.
فالحكم واضح، نعم، فريضة واجبة لا جدال فيها، وهؤلاء الذين يدَّعون أو يثيرون الشبهات، إما أنهم لأغراض في نفوسهم، أو لجهل، أو لشهوات وهوى والعياذ بالله، نعم، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، نعم، فالحكم واضح.
وإنما لا بد للنساء المسلمات، وللرجال أيضا، أن يقوموا بواجب التفقيه والتربية داخل البيوت، وأن يُبيِّن الأولياءُ لبناتهم هذه الأحكام الشرعية، وأن يقوموا بتحفيظ بناتهم هذه الآيات الدالة على فرضية الحجاب، وأن يُبيِّنوا لهن معنى الخمار، ومعنى الجلابيب، ومعنى اللباس الساتر الذي يُشترَط في لباس المرأة المسلمة.
ثم لا بد من القدوة الصالحة في مجتمعات المسلمين، سواء كانوا في بلاد المسلمين أو كانوا في الغرب، لا بد من التذكير والوعظ والترغيب والتعليم والترهيب، وبيان العواقب، والتحذير من دُعاة الفتنة والضلال الذين يخالفون أحكام شرع الله تبارك وتعالى.
هذا والله تعالى أعلم.