⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا ينبغي لنا أن نفهم معنى الآية الكريمة؛ فإن الآية نزلت في توجيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفترة المكية، ومن المفسرين من يرى بأن المقصود هو الدعاء، وأن الصلاة هنا يُقصَد بها الدعاء؛ لأن الآية الكريمة ورد قبلها: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ، أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِهَا﴾، لكن هذا القول هو قول الأقل منهم.
وأكثر السلف والمفسرين هو أن المقصود هو الصلاة المعهودة مما كان مأمورًا به في ذلك الوقت، وقيل بأن المقصود القرآن في الصلاة: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِهَا﴾ أي بقراءة القرآن، ولا أرى أن هذين القولين متعارضَين؛ إذ المقصود هو الجهر بالقرآن في الصلاة.
فإن فعلَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم –حينما كان يجهر– فإن ذلك كان يثير المشركين، فيدفعهم إلى أن يسبوا كتاب الله عز وجل ومَن أنزله، وأن يسبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويشتموه، فَنُهِيَ عن هذا القدر من المجاهرة التي تدفع إلى مثل هذا الفعل الشنيع –والعياذ بالله–، ونُهي أيضًا عن المسارَّة: ﴿وَلا تُخافِتْ بِهَا﴾؛ الخَفْت أو المُخافَتة يُقصَد بها المبالغة في الإسرار، ووجِّه إلى أن يسلك مسلكًا وسطًا بحيث لا تثور حفيظة المشركين، لكن مَن شاء السماع من المؤمنين معه، أو ممن كان يسترق السمع من المشركين، فإن ذلك يُتاح له.
ولذلك قال: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾، فالمقصود بابتغاء السبيل بين الجهر والإخفات هو أن يكون قصدًا، لا هو بالجهر الذي يثير حفيظة المشركين ويُعلِمهم بأحواله فيتعرَّض بسبب ذلك القرآنُ الكريم سَبًّا وشتمًا، ولله تبارك وتعالى ولرسوله والمؤمنين، ولا بالمسارَّة، بالإخفاء الذي يمكن أن يمنع الراغبين في الانتفاع من سماع القرآن الكريم وسماع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلوه في صلاته.
أما فيما يتعلق بالشطر الثاني الذي بُنِيَ عليه السؤال؛ فإن الصلاة السرية المطلوب من المصلي فيها أن يحرِّك لسانه وشفتيه بما يُسمِع نفسَه فقط، بما يُسمِع أُذُنَيْه، ورخَّص بعض الفقهاء –نظرًا لصعوبة أن يتمكَّن من إسماع نفسه دون أن يُسمِع مَن كان ملاصقًا له– فرخَّص في هذا القدر، لكن مع ذلك ليحرص على أن يكون إسماعُه لنفسه في الصلاة السرية.
أما في الصلاة الجهرية فبقدر ما يُسمِع المصلين خلفه، وذلك يعتمد على أحوال المسجد والجماعة.
والله تعالى أعلم.