مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

مخالطة الناس والعزلة

كيف نوفق بين قول الله تعالى «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم» وبين مخالطة الناس التي قد توقع المرء في الغفلة والبيئات الجاهلة، وهل الأفضل العزلة أم المخالطة؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الحقيقة أن هذه القضية ليست بالقضية اليسيرة؛ يعني ما يُسأل عنه السائل جدير بالوقوف عنده، لكن من حيث الحقيقة الشرعية الأمر أهون من ذلك؛ فإن الأدلة الشرعية من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دالة على أن مخالطة الناس ودعوتهم إلى الخير ونصحهم بالمعروف وإرشادهم وتنبيههم وتذكيرهم، والتعاون معهم على البر والتقوى، خيرٌ من العزلة والانفراد. فنحن نجد أن الله تبارك وتعالى حكى لنا سير الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وحكى لنا سير طائفة من المؤمنين الذين كانوا مع أنبيائهم ورسلهم دعاةً للخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، متعاونين على الخير وعلى البر والتقوى؛ ليَنصِبَ لنا فيهم قدوات حسنة، وليجعلهم أمثلة نقتدي بهم. لكن في المقابل نهانا عن الخوض في اللغو، وفي الفسوق والجدال، وفي الباطل من الأحاديث، أو في إقرار منكرات والرضا بما يسخط الله تبارك وتعالى، مما يمكن أن يدفع المسلم إلى أن يختار العزلة؛ فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». فإذا كثر الخبث، ولم يتمكن المسلم أن يؤدي رسالته ناصحا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، داعيا إلى الخير، متعلما ومعلِّما، ومتذكرا ومذكِّرا، وطغى الفساد وانتشر اللغو والرذائل، وما أمكن له أن يُصلِح في هذا المجتمع، فحينئذ يكون انعزاله أفضل. لكن هذا لا يعني أن الحياة يمكن أن تستقيم للمسلم، وأنه سيجد من الأحوال ما يوافق المعاني السامية الكريمة وهو يخوض غمار هذه الحياة؛ لأن الحياة فيها الخير والشر، والحق والباطل؛ فإذا انعزل أصحاب الحق ودعاة الفضيلة وأهل المكارم والأخلاق، فإن هذا سيسمح للشر والفساد والباطل بالفشو والانتشار. فعلى المسلم أن يؤدي رسالته في هذه الحياة، وأن يحمل مشاعل الحق والنور للناس، وأن يصبر على أذاهم، وأن يجتنب مجالس السوء إن لم يستطع إصلاحها ودعوتها إلى الخير وهدايتها إلى الحق، فلينسحب من مثل هذه المجالس، لكن لا يدفعه ذلك إلى الانعزال وأن ينفرد عنهم. ومع ذلك أيضا لا بد للمسلم من أن يجدِّد صلته بالله تبارك وتعالى، وأن يزكي نفسه، وهذه تحتاج إلى قدر من الخلوات والأنس بالله تعالى والإكثار من ذكره، وأن يغتنم المواسم التي تُتاح له؛ كأن يكون له حظ من قيام الليل، وأن يغتنم مواسم مثل موسم رمضان أن يعتكف قدر ما يستطيع، وأن يخصص لنفسه الوقت الذي يتزود فيه ما يعينه على مواجهة أوائل الحياة – أو أعباء الحياة – وعلى هداية الناس إلى الخير. هذا هو المسلك الأرشَد الذي يدعونا إليه ديننا الحنيف، نسأل الله تعالى أن يعيننا عليه. (تتمة متعلقة بالمجالس العامة والخاصة) المجالس العامة التي طابعها اجتماعي بحت – كالمجالس، الأفراح، الأتراح، الدعوات – هي في الحقيقة مجال رحب؛ أولا: فيها أداء لحقوق المسلمين؛ كالمشاركة في الأفراح والأعراس، أو المواساة في الأحزان، أو التعاون على ما فيه خير ومصلحة لعموم المجتمع، والمنافع العامة، أو بناء الأوطان، أو القضاء على منكر ما، أو ظاهرة سلبية بدأت تشق طريقها في المجتمع؛ فهي تعكس التماسك والتعاطف والتراحم الذي يدعونا إليه ديننا الحنيف. وما يتعلق بترويح القلوب والقدر المأذون به شرعا من المزاح، هذا أيضا لا إشكال فيه؛ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمازح أصحابه، وكان أصحابه يمازحونه صلى الله عليه وآله وسلم، وبيَّن أنه في مزاحه ما كان يقول إلا حقا، وكانوا يضحكون بحضرته عليه الصلاة والسلام فيبتسم، وكانوا يفعلون ذلك في بيت الله، في المسجد؛ فايضا ما يتعلق بترويح القلوب والقدر الذي لا قضاء فيه من الأحاديث التي تكون بين الناس، بما فيه قدر من الانبساط، ومما فيه شيء من السعة، هذا لا حرج فيه، لكن لا ينبغي أن يكون هذا هو الشغل الشاغل للمسلم، حتى لا يقسو قلبه؛ بل يجعل كما تقدم لقلبه ولنفسه حظوظا من الخلوات التي تعينه. وإذا سحبنا هذا على المجالس الإلكترونية الآن، هناك يمكن أن يصل الإنسان إلى الآخرين عن طريق شبكات التواصل، وهي فرصة كبيرة ليخالط عددا كبيرا من الناس، لكن أحيانا عندما يشارك في هذه المنصات يجد ردودا قاسية وردودا لا تليق أو لا تنبع من الأخلاق الإسلامية؛ فهل ذلك كافٍ لأن يعزل الإنسان نفسه ويبتعد عن مخالطة الناس إلكترونيا؟ هو في خضم سعيه واجتهاده في هذه الحياة سيجد من ينبذه، من يتحدث عنه بسوء، ولكن المسلم عليه أن يشق طريقه وأن يؤدي رسالته، وأن يعلم أن مثل هذه الحوادث إنما هي من طبيعة هذه الحياة، وأن الناس مشارب شتى؛ فمن باب أولى أن يكون مثل هذا الحال أظهر في وسائل التواصل الاجتماعي وعبر شبكات التواصل عبر الإنترنت، فعليه أن يوطن نفسه لتلقي مثل هذه الهفوات التي تصدر من الناس؛ لأنهم لا يعرفهم، وقد يتسترون تحت أسماء مستعارة، وقد تكون لهم أغراض معينة، وقد يكون من مقصودهم أن يستفزوه، فعليه أن يكون واسِع الأفق؛ هذا الذي ورد في الحديث: «يخالط الناس ويصبر على أذاهم». وبلغ من حال هذه الخصلة أن جعلها الله تبارك وتعالى من أبرز صفات المتقين الموعودين بجنة عرضها السماوات والأرض؛ يعني ربنا تبارك وتعالى حينما قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133] قال: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]؛ فهي في صدارة الخصال التي يتحلى بها المسلم؛ أن يكون واسع الأفق، واسع الصدر، أن يحتمل الأذى، وأن يتعامل بحسب ما تحتاجه: بين اللين والرفق، أو الحزم، أو الحظر في بعض الأحيان. هذه الوسائل قد أتاحت له مثل ذلك، لكن حينما لا يكون له هدف، ولم يوطن نفسه لخوض غمار ما يبلغه هدفه – ونقصد بالهدف أن يكون هدفا محمودا نبيلا موافقا لشرع الله تبارك وتعالى – فقد يُصاب بالحيرة والتيه في خضم هذا العالم المفتوح. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢١‏/٤‏/٢٠٢٣👁 3 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 30 رمضان 1444 هـ

التوبة والتبعات والحقوقمسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

سبب تفضيل المخالطة

2 👁

هل أفضلية مخالطة الناس في هذه الحالة من الناحية الدينية فقط أم تشمل الجوانب الاجتماعية وغيرها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٧‏/٤‏/٢٠٢٣

الاعتزال عن المجالس والاختلاط

2 👁

استفسار هل هذا النوع من الاعتزال يندرج في أحاديث النهي عن العزلة وفضل مخالطة الناس والصبر على أذاهم.

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٣‏/٣‏/٢٠٢٤

الخروج من الغفلة

2 👁

كيف يخرج الإنسان نفسه من غفلة جعلته تائهًا لا هم له ولا نشاط؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٢٣‏/١‏/٢٠٢١

مخالطة الناس أم العزلة

2 👁

شخص أصم بدأ نظره يضعف فأصبح تواصله ضعيفاً مع الناس ولا يجد فائدة من مخالطتهم، فهل الأفضل له حضور المحافل والاختلاط أم الانعزال؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٧‏/٤‏/٢٠٢٣

العزلة زمن الفتن

2 👁

هل تدعو النصوص التي تحث على اعتزال الفتن إلى أن يعيش المسلم في عزلة عن واقعه الاجتماعي بعيدًا عن المشاركة في تعديل مساره؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/٧‏/٢٠١٤

الاعتذار قبل العمرة وحقوق الناس

5 👁

شخص شتم آخر وحاول الإيقاع بينه وبين ناس، ثم أراد العمرة وطلب مسامحته بلا نفس وقيل إن المظلوم غير راضٍ، فهل يؤثر ذلك على عمرته؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٤‏/٧‏/٢٠١٤