⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم لنقرأ الآية أولًا.
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
سؤاله هو حول نصب الفعل «يقول» في قوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾، والحقيقة أن هذه هي قراءة الجمهور، كل القراء قرؤوا الفعل «يقول» بالنصب، إلا نافعًا؛ نافع قرأ بالرفع، قال: «حتى يقولُ الرسولُ».
وسائر القراء –أو أكثر القراء ما عدا نافع كما تقدم– إنما قالوا بالنصب؛ لأن الفعل هنا منصوب عند البصريين بـ«أن» المضمرة بعد «حتى»، وبـ«حتى» عند الكوفيين، لم يقدِّروا «أن» المضمرة هنا؛ البصريون يقولون: «حتى أن يقولَ الرسولُ».
و«حتى» هذه –أولًا، لنبيِّن الفارق بين القراءتين «حتى يقولَ الرسولُ» الآن– وجه النصب هو الموافق لما عليه الجمهور، وهي قراءة الجمهور، وهي أيضًا وجه صحيح شهير في «حتى»، أي أن تنصب الفعل المضارع بعدها. ولكن هناك حالات يُرفَع الفعل بعد «حتى»؛ يُرفَع فيها الفعل بعد «حتى»، وهذا في هذه الآية الكريمة على قراءة نافع: ﴿حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾.
فإن كان ما بعد «حتى» يدل على الاستقبال فحقه النصب؛ إذا كان ما بعد «حتى» –الفعل الذي يأتي بعد «حتى»– يدل على الاستقبال، فحق هذا الفعل النصب، وإذا كان الفعل بعدها يدل على حدث حالي، حاضر، فإن حقه الرفع. وفي الصورتين هناك أحوال يجب فيها النصب، وهناك أحوال يجب فيها الرفع، وأحوال يجوز فيها النصب، وأحوال يجوز فيها الرفع، في الحالتين.
بمعنى: إذا كان الاستقبال حقيقيًّا، إذا كان الزمن المستقبل حقيقيًّا باعتبار زمن ما يأتي بعد «حتى» بالنظر إلى زمن التكلم هو زمن المستقبل، ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: 91]، هنا يصرِّحون بأنهم لا يبرحون عاكفين على ما اتخذوه من عجل حتى يرجع إليهم موسى عليه السلام، أي: إلى أن يرجع إليهم موسى؛ الزمن هنا حقيقي.
ولكن قد يكون الزمن الاستقبال فيه باعتبار الحدث، لننظر في هذه الآية الكريمة –من سورة البقرة– التي يسأل عنها السائل: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ، وَزُلْزِلُوا، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾.
الآن الحديث عن من خلوا قبلنا: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾ حدث في الماضي، ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾؛ هذا ليس بزمن حقيقي، ليس باستقبال حقيقي؛ لماذا؟ لأن الحدث كله كان في الماضي؛ فإذا كان الحدث في الماضي فالاستقبال قبل «حتى»، ما أصابهم من بأساء وضراء والزلزلة بالنظر إلى قولهم ذلك الحدث متأخِّر، وما جاء عند قول الرسول والمؤمنين هو المتأخر؛ ولذلك هنا جاز أن يُنصَب، إذًا فالنصب هنا ليس واجبًا، وإنما هو وجه من الوجوه، كما جاز أن يُرفَع.
لماذا جاز أن يُرفَع الفعل بعد «حتى»؟ إذا كان دالًّا على الحال، على الوقت الحاضر في العربية؛ يضربون مثالًا، يقولون: «سرتُ حتى أدخلُ القريةَ»؛ بمعنى: أنه يدخل لحظتها تلك حينما يتكلم؛ هو يدخل القرية، لو قال: «سرت حتى أدخلَها» فهذا يعني أنه سائر ولما يدخلها بعد، لكن «سرت حتى أدخلُ القريةَ» فهذا يعني أنه يدخلها، أو أنه دخلها في تلك اللحظة. فإذا نظرنا إلى هذا الحدث في هذه الآية الكريمة، فإن الحدث كله كان في الماضي، وإنما هذا القول جاء متأخرًا عما تقدَّمه فقط، وإلا فالحدث كله حدث في الماضي، ولذلك جاز أن يُرفَع الفعل، وجاز أن يُنصَب.
وقيل –وهذا القول ذهب إليه ابن عاشور– وهو يتخرَّج على أن يكون على قراءة نافع أن يكون الرفع واجبًا إذا نظر إلى المخاطَب، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن هذه الآية تتحدث عن أمم سابقة، وفيها عِبرة وعِظة للمخاطَبين: لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين معه، لكن هذا القول لم يصدر منه بعد عليه الصلاة والسلام، فإذا نُظر إلى أن الرسول هنا يُقصَد به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا يعني أنه مستقبل حقيقي، ولكن بالنظر إلى أنه من باب الحكاية، لا من حيث الحدث الحقيقي، أنه من حيث الحكاية؛ فهنا يكون الرفع أيضًا، ولذلك فالآية بالقراءتين تتَّسع لهذه الوجوه كلها: أن يكون القول لم يحصل بعد، إما على جهة الحقيقة، أو على جهة الحكاية، وفي حالة الحكاية أن يكون هذا مقصودًا به الأمم السابقة –أي: رُسُل الأنبياء المتحدث عنهم– أو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلأن هذا الوضع ليس هو باستقبال حقيقي، وإنما هو حال –يعني– اعتباري، فالحال الاعتبارية سوَّغت الرفع.
من باب الإضافة التي لا بد منها لأجل حتى نفهم توجيه «حتى» في هذه الآية الكريمة: «حتى» من حيث الوجوه الإعرابية التي تأتي عليها: تأتي عاطفة، وهذا هو الأكثر فيها، وفي هذه الحالة تدل على ما تدل عليه «إلى»، أو كما يقول النحاة: مرادفة لـ«إلى»: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ أي: إلى أن يرجع إلينا موسى؛ إذًا تأتي عاطفة.
يمكن أن تكون جارة خافضة، بمعنى حرف الجر «إلى»، وأن تكون عاطفة، وأن تكون ابتدائية؛ أن تكون ابتدائية، استشهد لها ابن هشام بهذه الآية الكريمة من سورة البقرة –على قراءة الرفع– فيكون توجيه الكلام: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ، وَزُلْزِلُوا. حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ﴾؛ هو يقول بأن ابن مالك هنا يرى بأن «حتى» جارَّة، ولكنه –أي ابن هشام– يرى بأن هذا مخالف لما عليه الجمهور، فـ«حتى» هنا ابتدائية، والجملة بعدها مستأنفة.
فالحاصل أن هذه ثلاثة وجوه إعرابية تأتي عليها «حتى»: أن تكون عاطفة، وأن تكون جارة خافضة، وأن تكون ابتدائية.
هذه الوجوه الإعرابية لها معانٍ تأتي عليها؛ أي: «حتى» تأتي على ثلاثة معان: المعنى الأول هو معنى «إلى» الغائية: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾. المعنى الثاني هو معنى التعليل: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193]. والمعنى الثالث هو معنى «إلا أن»؛ معنى الاستثناء: «لا أفعل حتى تفعل»، أي: «إلا أن تفعل».
وعُدَّ من هذا –يعني بعض المفسرين أو بعض علماء اللغة يقولون إن من هذا الباب قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]؛ وفي التعليل أيضًا ذكروا مثالًا، وهو قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ [الحجرات: 9]، هذه فيها وجهان: قيل بأنها للتعليل: «قاتِل التي تبغي لكي تفيءَ إلى أمر الله»، وقيل بأنها بمعنى الغاية: «إلى أن تفيءَ إلى أمر الله»، وهذا أيضًا دليل على اتساع المعاني، ولهذا استُعمِلَت «حتى» في هذه السياقات، في هذه المواضع، لتتسع لكل هذه المعاني، إذ يتبين أن هذه المعاني صحيحة مقبولة، وأن القول يتجه إليها؛ ولذلك قال بها عدد من المفسرين، ويصعب الاعتراض؛ يمكن أن يُرجَّح قول على قول بناءً على قواعد اللغة وعلى السياق القرآني، ولكن يبقى أن هذا القول المرجوح مقبول، ليس ببعيد أو متعذر، فيتجه القول إلى أنه لا حاجة إلى الترجيح؛ لأن ألفاظ القرآن الكريم تتسع لكل هذه المعاني، وهي –فيما يظهر– مقصودة.
إذًا هذه هي خلاصة القول في: «حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ» و«حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ».
بقي هنا استطراد أرى أنه أيضًا من المناسب أن نضيفه –تحسُّبًا، أو حتى لا يُطرح هذا السؤال من بعد– وهو هذا القول: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟﴾ سؤالًا جاهزًا في ذهن الجمهور: إن هذا القول هو من قول الرسول والمؤمنين الذين معه؛ هم الذين يقولون: «متى نصر الله»، مطلق «الرسول» لا، مطلق «الرسول» الذين قص الله تبارك وتعالى –يعني– قصصهم وقصص أممهم في السياق القرآني في هذه الآية الكريمة؛ أيضًا قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ هناك من قال بأن «الرسول» هنا لرسولٍ مخصوص، وذكروا بعض الأسماء، هناك من قال إن «الرسول» هنا للعهد، لكن هذا العهد هو العهد الذهني، أي: الرسول المخصوص لكل قوم من هؤلاء الأقوام.
الآن الحاصل أن جماهير المفسرين أن هذا القول –«متى نصر الله»– وهو قول استعجال لا استبعاد، فإنه من قول الرسول والمؤمنين جميعًا.
هناك من نُسِب إلى جماعة من المفسرين –ولم أجد هؤلاء الجماعة من المفسرين– يعني ذكره السيوطي في «معترك الأقران» وفي «الإتقان»؛ ذكر هذا القول أيضًا: أن في الآية الكريمة لفًّا ونشرًا، فيكون المقصود: أن المؤمنين يقولون: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ هذا من قول المؤمنين الذين مع الرسول، ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ هذا من قول الرسول. لكن هذا الوجه ضعيف في الحقيقة، وإن نُسِبَ إلى جماعة لم تُسمَّ؛ لكنه ضعيف، فيه تكلُّف ظاهر، ومع كثرة البحث لم أجد من قال هذا القول.
نُسِب إلى الإمام البقاعي، فلما رجعتُ إلى كلامه وجدتُ أنه لم يُفهَم كلامه؛ الإمام البقاعي يتحدث عن السياق، هذه الآية وما بعدها، فلا يتحدث عن الآية نفسها؛ يتحدث أن سياق نظم الآيات –فيما يأتي بعدها– أن الآية تشتمل على لفٍّ ونشرٍ؛ لأنه قال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾، ما جاء بعدها: تحدَّث عن الإنفاق، وتحدَّث عن القتال والحرب، فقال: هذا لفٌّ ونشرٌ تفصيلٌ لما ورد في هذه الآية الكريمة، لا في الآية نفسها أن القول هذا المحكيَّ هو من قول الرسول، وهذا من قول المؤمنين؛ هذا –كما تقدم– بعيد ومتكلف.
هذا والله تعالى أعلم.