⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نسأل الله تبارك وتعالى أن يلهمهم الصبر والسلوان، ونذكرهم بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 155-157].
وسنَّة هذه الحياة الدنيا ماضية في الخلق، بقبض أرواحهم روحا بعد روح، ونفسا بعد نفس، وقد سار في هذا الركب الأنبياء والمرسلون، وأتى الموت على سيد الخلق أجمعين، على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو سيد الأولين والآخرين، وهو أحب الخلق إلى الله تبارك وتعالى.
فمما يورث السلوان هو أن يتذكر من فقد حبيبا عنده أو عزيزا عليه أن هناك من هو أحب إلى نفسه، وأحب إلى الله تبارك وتعالى، وقد رحل عن هذه الدنيا؛ لأن الدنيا في حقيقتها دار عبور، هي ليست بدار بقاء، وإنما هي ممر ينتقل عبره الناس إلى الحياة الأبدية الخالدة.
الواجب عليهم أن يصبروا، وأن يتجمَّلوا بالصبر، وأن ينصبوا من أنفسهم قدوة حسنة لغيرهم من أفراد أسرتهم؛ إن كانوا رجالا فلنساء بيتهم، إن كانوا بالغين فللصغار؛ أن يظهروا لهم تأسِّيَهم وصبرهم وجَلَدَهم، وأن ينفوا عنهم اليأس، وألا يستبدَّ بهم الحزن، وأن يُقْبِلوا على ما فيه عمل صالح لأنفسهم ولميِّتِهم؛ أن يُحيطوا أنفسهم بأسارٍ من اليأس والحزن والكآبة لا ينفعهم، ولا ينفع ميتَهم؛ فإن الحياة ماضية جارية، وسنَّة الله تبارك وتعالى في الخلق لن تتغير.
فالذي يمكن أن يعود عليهم بالنفع إنما هو أن يتجمَّلوا بالصبر والثبات، وأن يتماسكوا، وأن يحتسبوا أجرهم عند الله تبارك وتعالى؛ فإن المسلم يُؤجَر بالمصيبة التي تصيبه.
ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يصيب المسلم نَصَبٌ ولا وَصَبٌ ولا همٌّ ولا حزنٌ ولا غمٌّ ولا حتى الشوكة يُشاكها إلا كُتِبَ له الأجرُ، وحُطَّ عنه من» – في بعض الروايات – «حُطَّ عنه من وِزْره»، فهو ما يصيب المؤمن هو نوع من التطهير والتزكية ورفع الدرجات، إن احتسب الأجر عند الله تبارك وتعالى، وحمل نفسه على جميل الصبر.
وهكذا هي حقيقة الحياة؛ وقد سمعتُه يقول بأن هذه الحادثة، أو أن فقدانهم لوالدهم قد كشف لهم حقيقة الدنيا، والحقيقة أن هذه العِبَر والعظات توقظ الغافل، وتنبِّه من كان ناسيا إلى هذه الحقيقة، وهي أن الدنيا – وإن بدا الإنسان فيها أنه يأتي فيها بما يحقِّق فيها رغباته، وما يحقِّق فيها شهواته وأهواءه – إلا أنها محتقرة عند الله تبارك وتعالى، والسعيد من أعدَّ للحياة الخالدة الأبدية عُدَّتها التي تحتاج إليها، وعُدَّتها إنما هي بالتقوى والعمل الصالح.
يعني إجمالا الحديث في هذا الموضوع يطول، لكن مما يحتاجون إليه هو أن يُظهروا من أنفسهم التأسيَ والثباتَ والتماسك؛ لأن هناك أيضا من يسوءه ما يكونون فيه من حزن وأسى، من يشفق عليهم ويتألم لآلامهم، فينبغي لهم أن يراعوا هؤلاء، وأن يعتبروا بهذه الحقيقة التي أدركوها لما فيه صلاحهم وخيرهم ورشدهم، ولما يمكن أن يعود أيضا على ميتهم بالخير من الحقوق المعلومة لموتى المسلمين، ولغيرهم من المحيطين بهم؛ حتى لا يقع غيرهم أيضا في مثل هذه الأحوال، لا يجدون من يواسيهم ومن يصبرهم بالفعل، وما يظهرونه على أنفسهم قبل أقوالهم، وقبل مواساتهم بجميل القول.
فهذا الذي يمكن أن يقال، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا جميعا الصبر والسلوان، وأن يجعلنا ممن يعتبر بالموت ويتعظ به، ويعد للحياة الآخرة ما تحتاجه من عُدَّة التقوى والعمل الصالح.