⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
السائل فيها يقول محمود: ما هي البطشة الكبرى في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: 16]؟
أكثر المفسِّرين على أن المقصود بالبطشة الكبرى يومُ بدر؛ فهذا وعيدٌ للمشركين الذين عاندوا رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأن يجعل الله تعالى عليهم، أن يجعل عليهم سنينَ كَسِنِيِّ يوسف عليه السلام؛ فأصابهم القحط، وأجدبت الأرض، وأصابهم عنتٌ شديد، فكان الواحد منهم إذا رفع رأسه إلى السماء يرى دخانًا شديدًا.
فربُّنا تبارك وتعالى يقول: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: 10] في السورة نفسها؛ فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتركوا العنادَ واللمزَ مدةً، ثم عادوا إليه؛ ولهذا، يعني، هؤلاء الذين يرون هذا الرأي يقولون بأن معنى ذلك يتَّفق مع قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: 15]، فعادوا إلى تكذيبهم، وإلى طعنهم في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء هذا الوعيد بالبطشة الكبرى التي كانت بيوم بدر، يوم الفرقان، حيث مُذِلُوا، وهُزِموا، ونصر الله تبارك وتعالى الحقَّ ونصر أهلَ الحقِّ؛ فالمقصود بالبطشة: الأخذ الشديد، الأخذ بقوةٍ وعنف؛ هذا هو المقصود.
وهذا القول يُنسب –من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم– إلى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقد ذُكِر فيه –يعني– أثرٌ خلاصتُه ما تقدَّم، وتابعه على ذلك عددٌ من التابعين، ورُوِيَ أيضًا عن ابن عباس، ولكن الأشهر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هو أنه يرى أن البطشة الكبرى يُقصَد بها يومُ القيامة، يُقصَد بها ما يحصل يوم القيامة؛ وهذا أيضًا قولٌ قال به طائفةٌ من المفسرين، ومال الرازيُّ إليه، وإن كان أكثر المفسرين –كما تقدَّم– على القول الأول.
يعني ذكر جملةً من الاعتراضات على القول بأن المقصود يوم بدر، من نحو اعتراضه على أن الدخان ربُّنا تبارك وتعالى وصفَه بأنه: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان: 11]، وهذه الحالة التي أصابت المشركين جرَّاء القحط إنما كانت بسبب الضعفِ والنَّصَب الذي أصابهم، فكانوا إذا رفعوا رؤوسَهم خُيِّل إليهم أنهم يرون… فهو –يعني– يقول هكذا: بأنه ليس هناك دخانٌ على الحقيقة، وهو أيضًا خاصٌّ بهم، فلم يكن غاشيًا للناس جميعًا.
ويقول –من الاعتراضات– أيضًا: لأن الفريق الأول قالوا: إن ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ هذا لا يحصل يوم القيامة؛ فإنها –يعني– علاماتها إذا قامت فإنها تتوالى وتتابع، فاعترض هو فقال: لا، هذه تأتي أمارةً بعد أمارة، علامةً بعد علامة، وذكر –أو استأنس، لا أقول استدلَّ، وإنما استأنس– بالأحاديث التي ورد فيها ذِكر أن من أمارات الساعة «الدُّخَان».
فالحاصل أن كلام المفسرين يدور حول هذين المعنيين: يوم بدر –وهو قول أكثر المفسِّرين– ويوم القيامة –وهو قول أيضًا طائفةٍ من المفسِّرين، ونُسِب أيضًا إلى عددٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنهم وتابعيهم–، والمسألة محتملة، تصلح للمعنيين على الحقيقة.
والله تعالى أعلم.