⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الحياة الزوجية حياة تبادل المشاعر وتقاسم العواطف، بحيث يكون الزوجان جميعا يشكلان حقيقة واحدة، وذلك لما يكون بينهما من الانسجام.
وهذه الحياة لا بد من المحافظة فيها على الحقوق الواجبة من كل واحد من الزوجين تجاه الآخر، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
هذا، وعندما تتحول هذه الحياة إلى سعير يتأجج باستمرار، فيشتعل في مشاعر كل واحد من الزوجين، يكون هنالك العلاج بهذا الحل بعدما تفشل جميع الحلول. ونجد القرآن الكريم كيف يرشد إلى تفادي هذا العلاج الأخير مهما أمكن، تفاديه بشتى الوسائل، فإن الله سبحانه وتعالى، وهو العليم بطبائع عباده وبما اشتملت عليه نفوسهم، أمر بأن يتولى الزوج أولا علاج المشكلة عندما يكون النشوز من الزوجة، ذلك لما جعل الله سبحانه وتعالى في طبيعة الرجل من القدرة على تسيير دفة هذه الحياة الزوجية، ومراعاة ما يكون من قبل المرأة من نشوز لسبب أو لآخر.
ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ، وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]، ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.
هكذا يأمر الله سبحانه وتعالى، عندما يكون النشوز من المرأة، بأن يبدأ الرجل بالمرحلة الأولى وهي الوعظ الحسن، لما للكلمة الهادئة الهادفة من أثر في النفوس وتحريك للمشاعر، وتهييج لعواطف المودة بين الاثنين.
ولكن عندما تفشل هذه الكلمة، بحيث تكون المرأة مصممة على النشوز، ولا يكون لهذه الموعظة الحسنة أي أثر عليها، في هذه الحالة يؤمر الرجل بأن يعالجها علاجا آخر وهو الهجر في المضاجع، لما في ذلك من تأثير عليها. فإن فشل هذا العلاج أيضا فإنه يصير الرجل إلى العلاج الأخير الذي يتولاه بنفسه، وهو ضربها ضربا غير مؤثر ولا مبرح، وهذا هو ضرب الأدب، وهو بقدر الردع فحسب، لا لأجل التشفي والانتقام، فإن التشفي والانتقام لا مكان لهما هنا.
فإن تعذر هذا العلاج أيضا أن يقضي على هذه المشكلة، هنالك تتدخل الأسرتان جميعا، بحيث تنتخب كل واحدة منهما حكما منها من أجل علاج هذه المشكلة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا، فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: 35].
هكذا يكون العلاج لهذه المشكلة بتدخل الحكمين: حكم من أهل الرجل وحكم من أهل المرأة، حتى ينظر في المشكلة وكيف نجمت، وكيف يكون علاجها، وكيف يمكن استئصالها.
وعلى أي حال، إن تعذر علاج المشكلة مع اتخاذ هذه الوسائل جميعا، فإن الطلاق هنا يكون مشروعا، ولكن كيف يكون هذا الطلاق ومتى يكون؟ أولا: قبل كل شيء لا بد من أن يكون الطلاق بالصيغة الشرعية التي أذن الله تبارك وتعالى بها، وذلك أن الحق سبحانه يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ، فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، أي الطلاق يوقع عندما يوقع مرة بعد مرة، بحيث يوقع في المرة الأولى، ثم بعد ذلك يختبر هذا الرجل نفسه: هل يطيق الصبر عن هذه المرأة؟ وتختبر هي أيضا نفسها: هل بإمكانها أن تستمر بعيدة عن هذا الرجل؟ أو أنها تحس بالندم وتطالبه بأن يراجعها، أو يحس هو أيضا بالندم ويحرص على مراجعتها.
كل ذلك من أجل إعطاء كلا الزوجين الفرصة حتى لا يوصد في وجههما الباب. أما إيقاع الطلقات كلها دفعة واحدة فذلك أمر جانف لما جاءت به الشريعة السمحة، ومغاير لما أمر الله سبحانه وتعالى به من إيقاع هذا الطلاق مرة بعد مرة: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ، فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
فإن راجع كل منهما نفسه وعرف خطأه، يمكنهما تفادي هذه الأخطاء في مستقبل الحياة الزوجية، وذلك بأن يرجع الرجل امرأته إلى عصمته لا بعقد جديد ما دامت العدة باقية، فإنه أولى بها، كما ينص على ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]، بعد أن قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228].
فالرجل هو أولى بمراجعتها في هذه الحالة، وما عليه إلا أن يشهد شاهدين على أنه راجعها بصداقها وعلى ما بقي من طلاقها، وعندئذ بعد إخبار الشاهدين إياها في خلال الأجل الشرعي تكون زوجة له كما كانت من قبل، وتستمر بينهم الحياة الزوجية إلى أن يشاء الله سبحانه وتعالى.
فإن عاد إلى ما كان عليه من قبل من شقاق وخلاف ونزاع، فعندئذ تكون الطلقة الثانية، وبعد ذلك عندهما فرصة لاختبار نفسيهما جميعا، ثم تأتي بعد ذلك الطلقة الثالثة التي تقطع الحبال، حبال العلاقة بينهما، وفي هذه الحالة بعد إيقاع الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا لا تدليس فيه.
ومعنى هذا أنه لا يحل له أن يراجعها، ولا يحل له أن يتزوجها بعقد جديد بعد عدتها كما كان ذلك في المرتين السابقتين، وإنما في هذه الحالة لا بد من أن يتزوجها رجل على قصد أن تبقى في عصمته، وأن يبقى مرتبطا بها، لا من أجل تحليلها للزوج السابق، فإن هذه المحاولة –أي محاولة التحليل للزوج السابق– مما تجعل الحل بعيدا، بل تجعل الحرمة متواصلة؛ ففي الحديث عن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: «لعن الله المحلل والمحلل له»، وفي رواية أخرى: «لعن الله التيس المستعار».
فلا بد من عقد جديد، يكون هذا العقد –أي من قبل زوج آخر– مشتملا على جميع اللوازم الشرعية، ثم يدخل بها حتى يتم الغرض من الزواج، فإن وقع بينهما طلاق، أو خرجت منه بسبب آخر كالموت، فعندئذ تحل للأول، على أن يتزوجها بعقد جديد مع جميع اللوازم الشرعية، وذلك بعد أن تنتهي عدتها، وهكذا.
وهذا يعني –كما قلت– أن إيقاع الثلاث دفعة أمر لا يجوز شرعا، وهو تعجل لأمر جعل الله سبحانه وتعالى للعباد فيه فسحة، فهذا الإنسان يضيق على نفسه، ومن ألزم نفسه شيئا ألزم إياه.
ومن المعلوم أن هذا الطلاق الشرعي إنما هو في ميقات شرعي، والميقات الشرعي هو ما دل عليه قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ، وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: 1]، وإن كانت الآية دلالتها إجمالية هنا، فإن السنة النبوية –على صاحبها أفضل الصلاة والسلام– بينت هذا الإجمال، فقد جاء في رواية ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض، فجاء عمر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إن عبد الله طلق امرأته وهي حائض، فقال له النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: «مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، فإن شاء أمسك وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»؛ أي العدة التي دل عليها قوله سبحانه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ هي أن تكون المرأة في طهر لم يباشرها فيه الرجل.
أما إن كانت في حالة حيض، أو كانت في حالة طهر باشرها فيه، ففي هذه الحالة يكون الطلاق حراما، وإن كان واقعا، ولكنه حرام. وهذه الحرمة لحكم ينطوي عليها هذا التشريع؛ من أبرز هذه الحكم أن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده اليسر ولا يريد لعباده العسر، وهو سبحانه وتعالى يعلم ما تنطوي عليه حنايا مشاعرهم، وما تشتمل عليه حركات نفوسهم.
فالطبيعة البشرية طبيعة فيها الكثير من النزوات، وفيها الكثير من التسرع، فلذلك يوصد الباب على هؤلاء الذين يتسرعون؛ ذلك لأن الرجل في هذه الحالة لا يطلق المرأة إلا لسبب قاهر –هكذا في العادة– إلا إن كان لا يبالي بالعواقب؛ كيف والرجل في هذه الحالة يكون أشوق ما يكون إلى زوجته، لأنها في حالة طهر بعدما انقطع اتصاله بها، ومع هذا كله هو قادر على أن يلبي رغبته ورغبتها من الاتصال فيما بينهما، فلا يطلقها في هذه الحالة إلا لسبب قاهر لا يكون محيص فيه عن الطلاق.
أما عندما تكون حائضا فالأمر بخلاف ذلك، إذ هذه الحالة لا يمكن الاتصال فيها ما بين الزوجين، وبما أنه لا يمكن الاتصال فيها ما بينهما قد تزهد نفسه فيها ويتعجل في تطليقها لأتفه سبب من الأسباب، فلذلك يوصد هذا الباب.
وأما في حالة الطهر التي باشرها، فإن نفسه ربما تكون قد شبعت منها بقضاء وطره منها، فلا يبالي بالتطليق بسبب ذلك، بخلاف الحالة التي أبيح فيها الطلاق، فإنها بداعٍ للاتصال بين الزوجين، وهي مرحلة شوق من كل واحد منهما إلى الآخر، فلا يكون الطلاق في هذه الحالة قرارا مستعجلا، وإنما يكون قرارا متأنيا مبنيا على التعقل والنظر في العواقب، وإدراك الأسباب التي دفعت إلى الطلاق.
وإن من أبغض الأمور إلى الله سبحانه وتعالى –بجانب إيقاع الطلقات الثلاث دفعة واحدة، وبجانب التطليق الذي يكون بقرار مستعجل في حالة لا يجوز فيها الطلاق، وهي الحالة التي تكون المرأة فيها حائضا، أو تكون في طهر باشرها فيه الرجل– هنالك أمر هو من أبغض الأمور إلى الله سبحانه وتعالى، وهو ما يكون من عوام الناس وجهلتهم الذين يتطاولون على الله عندما يطلق أحدهم امرأته، فيواقع كفرا بعد كفر، فيواقع كفرا بعد كفر؛ فكثير من الناس لا يقتنعون بإيقاع الثلاث دفعة حتى يقول أحدهم: حرمتك علي، وحللتك لأي رجل آخر. من أنت يا هذا أيها السفيه حتى تتطاول على الله سبحانه وتعالى، فتدعي التحليل والتحريم من تلقاء نفسك، مع أنه لا يباح لأحد أن يحلل أو يحرم من تلقاء نفسه!
والله تعالى يقطع دابر هذا الأمر عندما يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ، هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ، لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116]، وقد شدد الله سبحانه وتعالى في التحريم وجعله من أمور المشركين، فقد قال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: 140]، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا، وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148].
هذا كله يدل على أن تحريم ما أحل الله سبحانه وتعالى كتحليل ما حرم سبحانه، كل منهما كفر، ولا يمكن أن يصدر ذلك من مؤمن؛ فمن أين لهذا الرجل أن يحرمها على نفسه، مع أنه إن كان طلقها طلقة واحدة هو أحق بها، فالله سبحانه يقول: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، ومن أين له أن يحللها لغيره، مع أن النص القرآني يدل على أنها لا تحل لغيره إلا بعد العدة الشرعية، إذ الله تعالى يقول: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
فهذا من أخطر ما يقع ما بين الزوجين من الأخطاء الفادحة التي تصاحب الطلاق، وتؤدي بالتالي إلى الحيرة، وتؤدي إلى الندم، وتؤدي إلى الحسرة، وتؤدي إلى أن يلتمس كل واحد منهما المخرج من المأزق الذي وقع فيه.
فعلى كل واحد من الزوجين أن يكون على بينة من الأمر؛ فالمراة مطالبة بأن لا تستفز الرجل، وأن لا تهيج مشاعر غضبه، والرجل أيضا مطالب بأن يراعي جانب المرأة، ويراعي دائما بأنها تتأثر وتهيج مشاعرها، ولعله من الأسباب التي تدعو إلى عدم إيقاع طلاقها في الحيض أن المرأة في هذه المرحلة تهيج مشاعرها كثيرا، فلا ينبغي للرجل أن يقابل هذا الهيجان بهذا التسرع في القرار، وإنما عليه أن يتأنى.
فعلى كل واحد منهما أن يرعى جانب الآخر، وأن يتفادى إيقاع الطلاق لما يترتب عليه من قطع الحبال التي تصل بين الزوجين، وما يجده كل واحد منهما من الفراغ الذي يحس به بسبب هذا الانفصال فيما بينهما، ثم ما يترتب على ذلك من إساءة تربية الأولاد وتعريض هؤلاء الأولاد للضياع، فعلى كل واحد منهما أن يفكر في أفراخ كبده بجانب تفكيره في مستقبل حياته، والله تعالى ولي التوفيق.