⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الذي أحفظه أن الحديث صحيح، يعني الفقهاء يذكرونه، ويُبيِّنون أحواله وشرحه والأحوال التي تكتنفه، فالحديث له روايات متقاربة، ولذلك قلت بأن الذي أحفظه أن الحديث صحيح مقبول.
أما معناه فهو النهي عن التفرّد في السفر، عن الانفراد بأن يسافر المرء دون أن يكون معه صاحبَان على الأقل؛ وذلك لجملة محاذير أرادت هذه الشريعة الغرّاء أن تنفيها عن المكلّفين رحمةً بهم: كمخاطر الطريق، ولِما يحتاج إليه أيضًا الإنسان؛ فقد يَعرِض له أمر يحتاج معه فيه إلى غيره، وقد تعرض له شيء من المخاطر، فحينما يكون منفردًا فإنه لا يجد من يُعينه على ذلك، قد تستبدّ به أيضًا الوساوس والأهواء والشهوات، فلا يجد من يذكّره؛ ولذلك عُدَّ ذلك وكأنه من أعمال الشيطان.
وبعض شُرّاح الحديث، ومنهم الخطّابي، يقول: إن هذا الوصف –"راكب شيطان"– أُخذ من معنى الشيطونة أو الشيطنة، وهو البعد والتفرّد، وكأن الشيطان يبتعد عن الخير ويتفرّد، فلوحِظ هذا المعنى في نهي الراكب، في نهي المسافر الواحد عن السفر بنفسه.
إذاً فيما يتعلق بالأمر الأول: الحديث –كما قلت– مقبول، مُحتجٌّ به عند أهل الحديث وعند أهل الفقه.
الأمر الثاني: معناه باختصار هو الذي تقدّم.
بقيت مسألة: لا يجد المسافر معه صاحبين؛ لأن الحديث قال: "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"، ولعلّه مما يُضاف أيضًا ما يحتاج إليه لأجل صلاته فيصلّون جماعة، والحاصل أن هذه المعاني والاعتبارات كلها داخلة في ما يرشد إليه هذا الحديث النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة.
لكن الفقهاء أيضًا نصّوا على أنه إن لم يجد من يكون معه، إن لم يجد رفقة، وكان محتاجًا للسفر، فليتوكل على الله، وليستعن به، ولا حرج عليه؛ لما عُلم من عموم الأدلة الشرعية من التيسير في مثل هذه الأحوال، ولعل الحال اليوم أيسر بهذه وسائل الاتصال، وبما يمكن أن يصحب الإنسان مما يذهب عنه الحزن، ويذهب عنه وساوس الشيطان، وبقدرته على أن يتواصل، وبعدم انقطاع العمران ووسائل المساعدة في الطرقات؛ فالأمر اليوم أسهل.
ولكن مع ذلك لا ينبغي للناس أن يتساهلوا؛ قد تحصل حوادث لا يعلم بها أحد، كان يمكن لمن يكون معه أن يعينه وأن يُنقِذه من ذلك الموقف، بدل أن يكون منفردًا بنفسه، فتتضاعف الصعوبة وتزداد الخطورة عليه؛ فليحرص قدر المستطاع، لكن في الأمر سَعَة كما تقدّم.
والله تعالى أعلم.