⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا: الحديث صحيح، نعم، وهو عند الإمام الربيع من طريق أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وأعمالكم مع أعمالهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، تنظر في النصل فلا ترى شيئًا، وتنظر في القدح فلا ترى شيئًا، وتنظر في الريش فلا ترى شيئًا، ثم تتمارى في الفُوق».
لن نتعرض الآن لمفردات الحديث النبوي الشريف لأن ذلك قد يطول، وإنما –كما يظهر– المعنى العام لهذا الحديث، والحديث رُوي بروايات عديدة، ورُوي في مناسبات أيضًا متعددة، ومن طرق عديدة، ولكن الكثير من هذه الطرق والروايات ضعيفة لا تقوم بها حجة، نعم.
والحديث –للأسف الشديد– جُعل مطعنًا لتصنيف بعض أفراد هذه الأمة، مع أن معناه واضح؛ فإن الحديث من حيث ألفاظه الواردة إنما يُؤخذ منه أن هناك من ينتسب إلى هذه الأمة، فهم ممن يصلي ويصوم ويقرأ القرآن، ولكنهم يأتون بعظائم تتنافى مع صلاتهم وصيامهم ومع القرآن الذي يحفظونه ويقرءونه، تهدم أركان هذا الدين؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، فهذا الوصف ينصرف إلى الغلاة.
وسأعمل بعض الألفاظ التي استعملها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى؛ فقد استعمل عليه الصلاة والسلام لفظ الغلو في جملة من الأحاديث؛ فهؤلاء هم من الغلاة الذين يحكمون على مخالفيهم بالشرك والخروج من الملة، نعم، فهم إنهم يزعمون أنهم ينتسبون إلى الإسلام، يصومون ويصلون ويقرءون القرآن، ويحذرون من الشرك، لكنهم يُشَرِّكون غيرهم، يُخرجون غيرهم من الإسلام، ويُجرون على هؤلاء الذين أخرجوهم من الدين أحكام المشركين، نعم.
وقد وُجدت طوائف في تاريخ هذه الأمة، وجد ذلك في عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن جاء بعدهم، ممن ثبت أنهم يحكمون على مخالفيهم بالشرك، نعم، ويستحلون من أجل ذلك دماءهم، ومنهم من يستحل مع الدماء يستحل الأموال، سُمِّي من هؤلاء النجدات، وسُمِّي منهم الأزارقة، نعم، ووُجد في تاريخ الأمة من بعد أيضًا من يسلك هذا المسلك، فيكون مروقهم من الدين بإعلان مخالفيهم مشركين، وباستحلال دمائهم وأموالهم، وخوضِهم في الدماء، وإخراج أهل القبلة من الإسلام، نعم.
فحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام يتحدث عن هؤلاء في سياق التحذير والتنبيه منه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ووقعت مجموعات وجماعات، ووقع أفراد في هذا الذي حذر منه عليه الصلاة والسلام في صدر الإسلام، ثم من بعد ذلك تولى من يسلك هذه المسالك السير على هذا الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الغلو في الدين، ونبز أو وصف مخالفيهم بالشرك، وإعلان إباحة دمائهم.
فكل من اتصف بهذه الصفات في حقيقة الأمر هو داخل، مشمول في هذا الصنف الذي بيَّنه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه العلامات التي ذكرها حينما قال: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم»؛ تُبين أنهم في ظاهر الأمر يجتهدون في العبادة، يُكثرون من الصلاة إلى حد أن المسلم يحقر أمر عبادته بالنظر إلى ما يراه عليهم في ظاهر الأمر، نعم، وهذا يدل أيضًا على تشددهم في مسلكهم، نعم، فيما يُظهرونه من أعمال.
ولكنهم لو اقتصر الأمر على هذا لما كان فيه معتَب، نعم، وإنما المعتب جاء من أنهم «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، نعم؛ ففهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأجرَوا هذا الحديث على أولئك الذين كفَّروا، وحكموا بالشرك على من خالفهم في مسائل ليست هي من المكفِّرات في هذا الدين، وأعلنوا عليهم القتل، وأجروا فيهم السيف، وهذا –كما تقدم– حصل في تاريخ هذه الأمة، نعم؛ فهؤلاء هم المقصودون بالمروق من الدين، هؤلاء هم الغلاة الذين يمرقون من الدين، نعم.
كما لا يخفى على أحد فإن هذا الوصف كل يدَّعي البراءة منه، نعم، ويرمي به غيره، هذه مشكلة، وهذا تصديق أيضًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، ولا يَزْعُم زاعم بأن تبيُّن الحق في هذه القضية عسير متعذر؛ لأن الحق إنما يتبين بالعودة إلى كتاب الله عز وجل، وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بالرد إلى سنته عليه الصلاة والسلام، بالرد إلى كتاب الله عز وجل، ثم بالنظر في سير هؤلاء الموصوفين بمثل هذه الأوصاف من غيرهم، نعم: هل سيرتهم، هل مواقفهم وأفعالهم، هل تراثهم الموجود فيما يتعلق بنظرتهم إلى غيرهم وإلى مخالفيهم، والمصطلحات –بناءً على التعريفات والمفاهيم التي عندهم– هي مما يمكن أن يدخلهم في هذا الصنف، أو أن الأمر على خلاف ذلك تمامًا؟
فتبيُّن مَن يَصدُق عليه هذا الوصف ليس بأمر عسير؛ لأن واقع الحال والتراث والتسطير في الصحف مما هو مدوَّن في المطوَّلات والمختصرات يكشف حقيقة هذه المذاهب الإسلامية والقائمين عليها.
ولذلك فإن مما يليق أن أختم به هذا الجواب المختصر هو التحذير من إجراء هذه الأوصاف على من ليس داخلًا فيها؛ أي أوصاف المروق من الدين، والخروج من الدين، والغلو، والتطرف؛ فلا يكون ذلك مبنيًّا على أدلة وبراهين، وإنما يكون تقليدًا أعمى لما ذكره البعض ممن لم يتثبَّت، هذا مع إحسان النية، أو ممن قصد مقاصد معينة –للأسف الشديد– فإذا به يحكم على بعض طوائف المسلمين، وبعض أهل المذاهب الإسلامية بمثل هذه الأوصاف، نعم، وهم أبعد ما يكونون عنها في سيرتهم، وفي أصولهم، وفي فروعهم، وفي تاريخهم، وفي حاضرهم، ولكن التنصُّل من هذا الوصف يدفعهم إلى إلقائه على أي أحد، نعم، ويجاوز فيه، أو يقعون في حقيقة الأمر فيما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نعم.
ولا شك أن المسلم مُؤاخَذ، مسؤول عند الله تبارك وتعالى عمَّا يقول، وعمَّا يحكم به على غيره، مأمور أن يتثبَّت ويتبيَّن، ولا يُلقي هذه الأوصاف جَزَافًا على غيره من الناس، بل مأمور أن يتهم نفسه بالتقصير، وأن يبحث ويجتهد، وأن يدرس وينظر، وأن ينصب لنفسه ما يُخلِّص عنقه من عقوبة صاخة الله تبارك وتعالى إن رمى مسلمًا بشيء من هذه التُّهَم بالباطل، والله تعالى المستعان، والله جل وعلا يهدينا جميعًا إلى سواء السبيل.
نعم، هم من داخل المسلمين؛ هناك من حمل هذا الحديث على أنه يصدق على المرتدين الذين ارتدوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن هؤلاء ما كانوا بعد ردَّتهم ما كانوا يصلون ولا يصومون ولا يزكون، في حين أن الحديث ينص على أنهم يصلون ويصومون ويأتون بأعمال الإسلام في ظاهر الأمر، وأنهم يقرءون القرآن إلى الحد الذي يستصغر معه المسلم عبادته بالنظر والقياس إلى ما هم عليه، نعم؛ هم يكونون مشغولين دائمًا بتصنيف المسلمين فقط، بمعنى شغلهم الشاغل هم المسلمون، نعم، هذا هو الوصف الأظهر، نعم.
فلا صلاتهم نفع، ولا صيامهم، ولا اجتهادهم في عبادتهم، ولا تلاوتهم لكتاب الله عز وجل وحفظهم له حجزهم من أن يخوضوا في إخراج المسلمين من الملة، وإطلاق أوصاف الشرك عليهم، وإباحة دمائهم، والخوض في أموالهم وأعراضهم، والعياذ بالله.
كل هذه الأسباب داخلة، فمداخل الشيطان كثيرة في نفس هذا المسلم؛ فيمكن أن يكون ذلك من باب ما يعتري نفسه من وساوس تزكية النفس وتجسُّس ما عليه غيره، ويمكن أن ينشأ ذلك من التعصب للرأي وضيق الأفق بسبب الجهل، نعم، ويمكن أن يكون ذلك بسبب التقليد الأعمى، ويمكن أن يرجع ذلك أيضًا لمطامع دنيوية دنيئة –والعياذ بالله– كالشُّهرة، وعدم الصدع بالحق؛ لأن الصدع بالحق في حقيقة الأمر مُكلِّف، والكثير من الناس يهون بأنفسهم عن كُلفة الصدع بالحق.
ومما ذكره علماؤنا في شرح هذا الحديث –نعم– أنه يصدق –وهذا مما ذكره الإمام السالمي رحمه الله في شرح الجامع– قال: إنه يصدق على علماء السوء، نعم، الذين يظهر عليهم –يعني معنى كلامه– يظهر عليهم سيما العلم الشرعي، ولكن أعمالهم من أقوالٍ وأفعالٍ هي أبعد ما تكون عن مقتضيات هذا الإيمان، نعم، هي منافية للصلاة والصيام والقرآن ولعقيدة هذا الدين، ثم قال: فإن كان الأمر فيما يتعلق بمن يصف غيره، يصف مخالفيه بالشرك ويستحل دماءهم، فإن ذلك في هؤلاء، نعم؛ فيدخلون –يعني حتى في دائرته الأولى– يدخلون، الذين تناقض أقوالهم وأعمالهم أفعالهم ما ينتسبون إليه من عقيدة هذا الدين، نعم، ويضيفون إلى ذلك من يخوض في تكفير المسلمين وتشريكهم وإخراجهم من الملة، وإجراء أحكام المشركين عليهم، نعم.
ولذلك كان من سير أصحابنا –رضوان الله تعالى عليهم– أنهم كانوا من أوائل من ناظر هؤلاء، نعم، وهذا الأمر من المفارقات العجيبة، نعم؛ أنهم كانوا من أوائل من تصدى، بل كانوا الأوائل في التصدي لهؤلاء الذين يمرقون من الدين، ويسمُّون مخالفيهم بالشرك؛ فتصدى لهم أوائل أهل الحق والاستقامة، أوائل الإباضية، بالمناظرة والحوار، وإقامة الحجة، وبالدعوة إلى التوبة، وبيان أن أهل القبلة معصومو الدماء، وبيان الأدلة الشرعية من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإذا بهم هم الذين يُلْزَمون في قَرْن أولئك الذين يمرقون من الدين، مع أنهم كانوا في صدارة من ناظر، وحاور، وحاجَّ، وحذر من عواقب هذا المسلك الذي يسلكه هؤلاء الذين يكفِّرون غيرهم بإخراجهم من الملة، وتشريكهم، وإجراء أحكام المشركين عليهم، نعم.
وسيرتهم أيضًا عبر تاريخهم تشهد لهم بذلك: في مناصرتهم لإخوانهم المسلمين، في امتناعهم عن تشريك غيرهم، في إجراء أحكام أهل القبلة، في الحرص على الجوامع الكبرى للمسلمين، والتقليل من هذه الفروقات الفقهية، وعدِّ هذه الآراء الفقهية مما يسع فيها النظر، وتضييق دائرة الخلافات التي لا تحتمل إلا قولًا واحدًا، نعم، ومن أداء حقوق المسلمين عليهم، والامتناع عن وصفهم بما يمكن أن يخرجهم من هذا الدين، ولكنهم مع ذلك –كما تقدم– لم يسلموا من سهام الطعن والتصنيف مع هؤلاء الذين يمرقون من الدين، والعياذ بالله.