مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

العقيدة وأثرها البيئي

كيف تحقّق العقيدة الإسلامية حماية البيئة وهي شعور قلبي واعتقاد داخلي يتجلّى غالباً في العبادات؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
من المعلوم أن العقيدة هي وصلٌ لهذا الإنسان بالغيب، فهي أولًا وصلٌ لهذا الإنسان بالله سبحانه وتعالى الذي خلق هذا الوجود، وأخرج الإنسان من العدم إلى الوجود، وأفاض عليه النعم الظاهرة والباطنة، ومنه مبدؤه وإليه معاده، وهي أيضًا وصلٌ للإنسان بعالم الغيب، ومن هذا العالم عالمُ الغيب المنقلبُ الذي يعود إليه. ومن المعلوم أن الإنسان إذا آمن بالمبدأ والمنقلب فقد آمن بأهم ركنين من أركان العقيدة، ولذلك نحن نجد في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يؤكد شيئًا وصَلَه بذِكر الإيمان بالله واليوم الآخر، فكم من آية في كتاب الله فيها أمرٌ من الله أو فيها نهيٌ منه، وهي تؤكد هذا الأمر أو هذا النهي بذِكر الإيمان بالله واليوم الآخر. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق: 2]، ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: 228]، ويقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]، ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]، ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: 6]. فهذه الآيات وأمثالها تصل هذه الأوامر أو هذه النواهي بذِكر الإيمان بالله واليوم الآخر، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كقول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، وقوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره»، إلى غير ذلك، هذا كله مما يدل على أثر الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر. فإن من آمن بالله حق الإيمان وجد نفسه مدفوعًا إلى طاعة الله، إذ الطاعة إنما هي نتيجة أمرين: نتيجة حب، ونتيجة خوف. أما الحب فإن طاعة الله سبحانه وتعالى تنبعث من حب الله، والإيمان بالله يغرس في النفس البشرية حب الله سبحانه وتعالى، ذلك لأن الإنسان من طبعه أن يحب غيره لأحد أمرين: إمّا أن يحبه لأجل أنه متفوق عليه، أو يحبه من أجل أنه وصله معروفٌ منه، وعلى كلا الأمرين فالله سبحانه وتعالى أولى أن يُحب محبةً تفوق محبة كل شيء. فبالنظر إلى المعنى الأول فإن الله سبحانه وتعالى هو أعظم وأجل من كل شيء، أحاط علمه بكل شيء، وتجلّى علمه في كل دقيقة من دقائق هذا الكون، كل ذرة من ذرات الكون إنما تدل على علم الله الواسع، نحن لو درسنا ذرة من ذرات هذا الكون لما استطعنا أن نستوفي ما فيها من عجائب صنع الله ودلالات إحاطته بكل شيء علمًا. وكذلك كل ما في الكون يدل على قدرته تبارك وتعالى على كل شيء، فإنه أحاط بكل شيء قدرة، وكذلك كل ما في الكون يدل على أنه سبحانه وتعالى عظيم، عظمةً لا يمكن أن يكتنهاها العقل البشري، وكل ما في الكون يدل على أن الله تعالى كريم، كرمًا يفوق تصور جميع عباد الله سبحانه وتعالى، بحيث لا يمكن لعقول البشر لو تظافرت جميعًا على النظر في أدنى دليل من دلائل كرم الله سبحانه وتعالى أن تستوفي ما يدل عليه هذا الدليل وهكذا. وإذا نظرنا إلى المعنى الآخر فإن كل ما يحيط بالإنسان إنما هي نعم دافقة تأتي من قِبَل الله سبحانه وتعالى، تحيط به من فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه، بل الإنسان يسبح في بحر من النعم محيط لا يمكن أن يعرف الإنسان حدوده بأي حال من الأحوال، هذا الإنسان الذي هو مخلوقٌ لله سبحانه وتعالى، وقد أنعم الله عليه بهذه النعم العظيمة، أليس ذلك مما يقتضي أن يدفعه إلى حب الله؟ وأما الخوف من الله فلهيبته ولجلاله، فالعظمة الإلهية، والجلال الإلهي، والهيبة الإلهية، كل ذلك مما يوجب أن يُهاب الله سبحانه وتعالى هيبةً فوق كل تصور، فاليوجد في الكون جلال يضاهي جلال الله تعالى؟ هل يوجد في الكون عظمة تضاهي عظمة الله تعالى؟ هل يوجد في الكون من يستحق أن يُهاب كما يستحق الله سبحانه وتعالى أن يُهاب؟ لا ريب أن هذه العظمة الإلهية، وذلك الجلال الإلهي، وتلك الهيبة الإلهية، كل ذلك مما يوجب أن يُهاب الله سبحانه وتعالى. فالأمران جميعًا يقتضيان أن يكون الإنسان مطيعًا لله. وإذا نظرنا إلى الإيمان باليوم الآخر فلا ريب أن هذا الإيمان يغرس خشية الله، ويدفع إلى طاعة الله سبحانه، إذ الإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بالمنقلب، وأن الإنسان يُجزى على ما قدّم من خير أو شر، وقد جاءت الآيات القرآنية لتدل على أن الله تعالى يجزي جميع العباد بكل ما عملوه في هذه الدنيا من خير أو شر، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: 46]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123]، ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]. فإذا كان الإيمان بالله يدفع الإنسان إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، فلا ريب أن هذا الإيمان باعثٌ حثيثٌ على أن الإنسان عليه أن يكون وفق أمر الله. وإذا جئنا من ناحية أخرى: هذا الإيمان مع هذا التأثير العظيم قد يحاول الإنسان أن ينفلت من آثاره عندما تطغى عليه موجات من التأثير النفسي والتأثير الاجتماعي، فالإنسان كثيرًا ما يتأثر بالمؤثرات النفسية، وبمؤثراتٍ اجتماعية، فتقوى نزواته ونزغاته إلى ما لا يُحمد عاقبته، ولكن عندما يكون مؤمنًا بأنه ينقلب إلى الله سبحانه، وأنه يُجزى على ما قدّم خيرًا أو شرًّا، لا ريب أنه بهذا الإيمان يكبح جماح نفسه، ويمكن أن يسيطر على نفسه، ويمكن أن يُسخِّر جميع طاقاته وجميع إمكاناته فيما يرضي ربَّه سبحانه وتعالى، بهذا يتغلّب على هوى النفس. ولا ريب أن الإنسان هو مدار البيئة، فالبيئة إنما تُحفَظ بصلاح الإنسان، ويُعبَث بها بفساده، فعندما يكون الإنسان مؤمنًا هذا الإيمان الصحيح، ويكون ذا عقيدة راسخة صحيحة، لا ريب أن هذا الإيمان يدفعه إلى احترام غيره، واحترام ما يحيط به من كل ما خلق الله سبحانه وتعالى. الإنسان هو مستخلف في هذه الأرض في هذه الحياة، وقد سخَّر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه، ومع ذلك كل هذا التسخير إنما لأجل أن يُعمِّر الإنسان هذه الأرض تعميرًا حكيمًا، لا لأجل أن يعبث بمقدراتها، لا لأجل أن يفسد ما فيها، لا لأجل أن يدمّر الحياة فيها على نفسه وعلى غيره من المخلوقات الأخرى، بل من واجبه أن يحترم كل ما خلق الله سبحانه وتعالى، ومن واجبه أن يحترم الحياة في كل صورها، وأن يحترم وجود هذه الكائنات في هذه الأرض، وأن يعلم بأن كل ذلك إنما هو حق لله تعالى، وقد حمّله الله سبحانه وتعالى هذه الأمانة الكبرى، أمانة الخلافة في هذه الأرض. ولا ريب أن الإنسان عندما يكون مؤمنًا حق الإيمان، وعندما يكون ذا عقيدةٍ سليمةٍ صحيحةٍ، يدرك هذه المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقه، فيحترم كل ما حوله، ويحترم كل ما في الكون، ويراعي حق الله تعالى في هذه الموجودات؛ لأنه يعلم بأنه مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى عن ذلك كله. وبهذا يحرص على أن يكون في حياته معمِّرًا لا مدمِّرًا، وأن يكون حريصًا على مراعاة حق الله تعالى في كل هذا الوجود، فيرى حق الله تعالى في نفسه، ويرعى حق الله سبحانه وتعالى في مجتمعه، ويرعى حق الله تعالى في أمته، ويرعى حق الله تعالى في جنسه، في الجنس البشري جميعًا، ويرعى حق الله سبحانه وتعالى في النباتات، ويرعى حق الله تعالى في الجمادات، ويرعى حق الله سبحانه في الحيوانات العجم، حتى لا يؤذي شيئًا، إنما يتصرف في كل شيء بحسب ما أذِن به الله سبحانه. فهذا أثر العقيدة على احترام البيئة وتقدير البيئة والمحافظة على سلامة البيئة.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٣١‏/٥‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

القيم الإسلامية ودورها في حماية البيئة ورعايتها

العقيدةمسائل متنوعة

✦ فتاوى مشابهة

تميز القيم الإسلامية بيئياً

2 👁

مع امتلاك المجتمعات والملل الأخرى لقيم دينية تنظم علاقتها بالبيئة ونجاحها في ذلك، بماذا تميّزت القيم الإسلامية في حماية البيئة عمّا لدى غير المسلمين؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

ترسيخ ثقافة حماية البيئة

2 👁

كيف يفهم المسلمون معاني حماية الإسلام للبيئة والدعوة إلى رعايتها في ظل تجاهلهم لتطبيق ذلك، وما الذي تدعون إليه لتشرب ثقافة حماية البيئة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

هل البيئة لذاتها أم للإنسان

2 👁

هل المحافظة على البيئة في الإسلام لأجل مصلحة الإنسان فقط أم أن للبيئة حرمة واعتبارًا في ذاتها فلا يجوز الاعتداء عليها؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

الهجرة والبيئة المؤثرة في الإيمان

2 👁

ما مدى مسؤولية الإنسان عن المؤثرات البيئية المعنوية المتعلقة بالتربية والعقيدة، وإلى أي حد يكون مأموراً بترك البيئة الفاسدة والهجرة إلى بيئة صالحة؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

عناية الإسلام بالبيئة

2 👁

هل توجد في الإسلام عناية مماثلة بالبيئة كما هي عنايته بالإنسان وتشريعاته له؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

تفاوت الإيمان والمؤثرات البيئية

2 👁

الإيمان يتفاوت بين الناس تبعاً للمؤثرات البيئية والتربوية كما في قوله «فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه»، فما مدى اعتبار هذه المؤثرات في محاسبة الإنسان شرعاً؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١