⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن موضوع السؤال الذي تفضلتم به يتصل بجملة من الأحكام الفقهية والأخلاق الإسلامية التي بالالتزام بها والمحافظة عليها يقوم بناء المجتمع المسلم على أسس متينة من المحبة والتعاطف والتعاون والتواد فيما بين أفراده، وهذه لا ريب غاية مقصودة في هذا الدين الحنيف؛ لأن بها تتحقق العزة للمسلمين، وبها تتحقق الأخوة التي هي الوشيج الأسمى بين كل من رضي بالله تعالى ربًّا، وآمن باليوم الآخر، ورضي بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا، عليه الصلاة والسلام.
ولا ريب أن الإنسان يحتاج إلى أن يبث بعض همومه إلى غيره ممن يثق فيهم، وإلى أن يتبادل معهم الآراء، وأن يستشيرهم، وأن يستنصر منهم ما يفرج به بعض الهموم التي يواجهها؛ ولذلك فإنه في مثل هذه الحالات يبث همومه، ويشكو بعض ما يواجهه من صعاب الحياة ولوائحها إلى من يأتنمهم من إخوانه الأمناء الثقات.
وهذه المقاصد معروفة؛ أي أن يقصد المسلم هذه المقاصد المشروعة: كما قلتَ أن يفرج همًّا أو ينفّس كربًا، أو أن يستشير في أمرٍ يريد أن يأتيَه أو يريد أن يذرَه، أو يريد أن يتبين صحة رأيه بمشورة غيره وباستطلاع رأي غيره.
فحينما يَسِرُّ إلى غيره حديثًا فإن هذا الإسرار يحمل ذلك السامع أمانة يجب عليه أن يؤديها، وهذه هي الأمانة مأمور بالمحافظة عليها؛ لأنها أمانة، وليست الأمانات هي فقط الودائع المادية التي يستودع الناس بعضُهم بعضًا، وإنما هي أيضًا تشمل أسرارهم وطائفةً كثيرةً من الأمور المعنوية، كما تشمل أيضًا ما عُهِد به إليهم من أمر العبادة لله سبحانه وتعالى.
فإن حصل ذلك –أي أسرَّ أحدٌ إلى غيره– فإن هذا سرّ، وهي أمانة يجب على المتلقّي –أي على السامع– أن يحفظه، وأن يلتزم بحفظ ذلك السر لأخيه.
وقد ذكرنا فيما مضى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه: «إذا حدَّث الرجلُ بحديثٍ ثم التفتَ فهي أمانة»؛ فإذا احتفَّ بالحديث قرينةٌ تدلُّ على أن المتكلم يريد أن يجعل ذلك أمرًا خفيًّا بينه وبين السامع، أي أمرًا يُسِرُّ به بينه وبين السامع؛ فإن هذه القرينة أيضًا لها اعتبارها، ويترتب أثر تحميل الأمانة للسامع حتى ولو لم يذكر المتحدث أن هذا سرٌّ من الأسرار التي يحملها السامع.
بل إذا وجدت قرينةٌ: إذا ما تحدث مثلًا عن أمرٍ من الأمور الخاصة به –كما يحصل بينه وبين زوجه مثلًا– من الأمور الخاصة التي يجوز أن يبديها لغيره من الناس –كما قلتُ: طلبًا لرأيٍ أو مشورةٍ أو نُصحًا، أو طلبًا لتفريج همٍّ أو غيرِ ذلك من الاعتبارات الشرعية– شريطة ألا يخرج عن حدود الشرع فيما يبديه لغيره؛ لأن ما يحصل بين الزوجين أيضًا –كما نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم–: «إن من شر الناس منزلةً عند الله يوم القيامة الرجلُ يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ثم يُفشي سرَّها».
أما إذا كان فيما سوى ذلك من الاعتبارات التي ذكرتها؛ فإن هذه من الخصوصيات التي ينبغي أن يحرص السامع على حفظها وكتمانها وعدم إفشائها.
وكذا الحال فيما يتصل أيضًا بما يُبديه من بعض أسرار حياته؛ كما الأمور التي يواجهها في صحته، أو في حال ثروته من غنى وفقر، أو ما ابتلاه الله سبحانه وتعالى به من شتى أنواع الفتن والبلایا، أو ما طلب فيه رأيًا من أمرٍ أتاه ويطلب نصيحةً، أو يطلب بيانًا لحكم شرعي.
فإن الأصل أن يستر نفسه؛ فعلى المسلم أن يستر نفسه إن كان قد اقترف شيئًا من الذنوب والمعاصي، لكن إن كان يريد مثلًا أن يتعرف على حكم شرعي فاضطر إلى أن يبدي شيئًا مما أتاه؛ فإن هذا السامع يكون في حقه حفظ السر ألزم.
وكذا الحال بالنسبة مثلًا للمتظلِّم الذي يشكو ظلامةً من الظلامات؛ فإن كان يرجو بشكواه تلك دفع المظلمة عنه أو عن غيره من الناس؛ فإن مقدار إظهار هذا السر من قبل السامع إنما يكون بما يؤدي إلى رفع الظلم عن المسلم أو عن المسلمين، عن ذلك الذي حدَّثه به أو عن غيره من المسلمين.
فإذن هناك قرائن تدل على أن يمكن أن يُفهم منها السامع أن هذا الموضوع الذي يتحدث فيه، أو الذي اطّلع عليه –لأننا نحن في جوابنا هذا نتحدث عن سرٍّ بين اثنين– نعم.
بينما ما نجده في كتب الفقه –على سبيل المثال– نجد أحكامًا فقهية، وكثير من الناس لا ينتبهون لها مثلًا، وسندخل إلى شيء من القضايا الفقهية حتى المتصلة بالعبادة: النظرُ في كتابٍ –أي في رسالةٍ لآخر– لا يريد أن يطَّلع عليه غيره؛ حتى إن بعض الفقهاء اعتبر ذلك مما ينقض الوضوء؛ لأنه اختلس خِلْسةً غير جائزة، فارتكب إثمًا ينقض وضوءه، مع أن وُجدت قرينةٌ تدل على أن صاحب الخطاب، صاحب الكتاب، صاحب هذه الرسالة لا يريد أن يطلع عليها غيره؛ فيأتي ذلك الغير ويحاول أن يتلصص خِلْسةً لكي ينظر في كتاب الآخر.
فإن ذلك من المعاصي التي يُؤاخذ عليها هذا الإنسان إن لم يتُبْ منها؛ فإن اطّلع فعليه أن يتوب، ومن توبته ألا يُفشي سرَّ ما اطّلع عليه، ولو كان ذلك –في موازينه هو– من الأمور الاعتيادية، إن كان صاحب الأمر لا يريد أن يطلع غيرُه على ذلك الأمر.
وقد ذكرنا فيما مضى أن هناك استثناء فيما إذا أسرَّ أحدٌ إلى غيره بأمرٍ هو في حقيقته مكرمةٌ له أو منقبةٌ –كصدقةٍ– حينما ينتقل صاحبُه إلى بارئه تبارك وتعالى؛ لأن هذه من المحامد التي يُستحب أن تُذكر عن الميت، فلا غَضاضة، لا حرج أن يذكرها –كما قلنا–؛ لأنها من المناقب، من المحامد التي اتصف بها الميت، ولعل في ذكرها أيضًا أسوةً لغيره من الناس، أو كان الأمر –أيضًا كما قلنا– إن كان مما يتصل بحقٍّ من حقوق الآدميين؛ فإنه مما يجب أن يُظهَر في هذه الحالة.
فإذن هذه الأسرار التي يمكن أن تكون من خصوصيات الحياة الزوجية، أو من خصوصيات الحياة، أو من خصوصيات العمل والمهن والحِرَف والصنائع؛ يجب احترامُها، والأصل فيها أن تُحفَظ، إلا إذا وجد مسوِّغٌ شرعي يخرج بها عن هذا الأصل، وهذه لها اعتباراتها…