⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلا ريب أن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أرسخ الناس علمًا، وأعمقهم فهمًا، وأكثرهم ورعًا، وأحرصهم على مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأحرصهم على تجنب زلل اللسان وزلل النفس في كل تعاطيها مع شؤون هذه الحياة.
ومن أجل ذلك كانوا حريصين على أن يتجنبوا الفتوى قدر المستطاع، لأنهم يعلمون عِظَمَ هذا الأمر؛ إذ القضية ليست قضية هينة، وإنما هي قضية إبلاغ عن الله سبحانه وتعالى، وتوقيع باسمه سبحانه وتعالى على حكم ما.
ولا ريب أن هذه القضية تستوجب أن يكون الإنسان متثبتًا، ونحن نرى في كتاب الله سبحانه يدل على أن أولئك الذين يتسارعون إلى القول بدون علم إنما هم في الحقيقة ليسوا بعيدين من طبقة الذين كفروا أو الذين أشركوا والعياذ بالله، لأنهم قُرِنوا بهم، فنجد الله تبارك وتعالى يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
نعم، قرن هنا الحق سبحانه وتعالى بين الشرك وبين القول على الله تعالى بدون علم؛ ذلك لأن من قال إن الله سبحانه وتعالى شرع كذا، ولم يشرع ذلك، فلا ريب أن هذا أمر في منتهى الخطورة؛ فإن كان يدين بتشريع حكم مع أن الله تعالى لم يشرع ذلك الحكم فإنه كذب على الله سبحانه وتعالى، وكذلك عندما يرد حكمًا من أحكام الله، يقول في شيء بأن الحكم كذا، وذلك بخلاف ما شرع الله سبحانه وتعالى من حكم في ذلك، يكون أيضًا بهذا افترى الكذب على الله، وافتراء الكذب على الله ليس بالأمر الهيِّن.
افتراء الكذب على الله، من كان مفتريًا كذبًا على الله سبحانه وتعالى غير متأول في ذلك يُحْكَمُ عليه بأنه خرج من ملة الإسلام؛ لأنه نسب إلى الله سبحانه وتعالى ما لم يقل، أو أنه نفى عن الله سبحانه وتعالى ما قاله. ومن أجل ذلك نحن نرى أن الله تعالى يحذر من الإقدام على القول في القضايا بأن هذا حلال أو هذا حرام، لأن في ذلك افتراء الكذب على الله، لا بد من التثبت، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].
ويبين سبحانه وتعالى بأن القول على الله سبحانه مما يزينه الشيطان للناس ويدعوهم إليه، فقد قال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 169].
ونجد أيضًا أن الله سبحانه وتعالى ينعى على أولئك الذين يحرمون ما لم يحرمه، عندما يقول سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا، قُلْ: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59]، والآيات في الكتاب العزيز في هذا كثيرة.
بل فيها التنصيص على أن الذين يحرمون ما لم يحرمه الله سبحانه وتعالى إنما هم مشركون، فقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا، وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: 35]، وكذلك يقول تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا، وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 148].
فإذاً هذا الأمر هو الذي جعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم يحرصون على الاحتياط في هذا الأمر، ولا يتدافعون إلى الفتيا، وإنما هم يتدافعون، يحرص كل واحد منهم أن يتملص منها وأن يدع الفتيا لغيره حرصًا على السلامة.
ونجد كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم عندما كانوا يسألون يبدون خوفهم من القول، فأبو بكر رضي الله تعالى عنه عندما سئل عن الأب في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31] ما هو الأب؟ قال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، وأين أذهب وماذا أصنع إن قلت في كتاب الله تعالى بغير مراد الله؟
ولما قرأ هذه الآية عمر رضي الله تعالى عنه قال: هذه الفاكهة، فما هذا الأب؟ قال: وما عليك يا ابن أم عمر ألا عُرِفَ الأب؟! ألا فخذوا من كتاب الله ما وضح لكم، واسكتوا عما أشكل عليكم، أو كما قال رضي الله تعالى عنه.
فهكذا كان كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم حريصين على أن يتورعوا في هذا الأمر، وأن يدعوا الفتوى لمن يراه أحدهم بأنه أولى بها منه.