⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فمن المعلوم أن النفس البشرية وهي تواجه هذه الحياة ومشكلاتها المتنوعة وتحدياتها المختلفة، وتُجْبَلُ منها عُتُبُها وصَعَبُها، وتَلْبَسُ منها سَرَّاءَها وَضَرَّاءَها، هي بحاجة إلى أن تقف وقفة لتتصل بالله سبحانه وتعالى، ولتكون في مكان ناءٍ عن مؤثرات هذه الحياة السلبية، بحيث تحرص دائماً على أن تكون صلتها بالله سبحانه وتعالى صلةً مباشرة، وأن تكون تحس من أعماق نفسها بهذه الصلة، وبالوقوف بين يديه سبحانه وتعالى، وتستمتع بلذيذ مناجاته.
ومن المعلوم أن خير مكان لذلك بيوتُ الله سبحانه، هذه البيوت التي هي مشرق نور الله، كما يؤذن بذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ۚ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥].
ثم بيَّن سبحانه وتعالى أين يشع هذا النور، ومن أي أفق يسطع على هذه النفوس فيبدد منها ظلمات الطبع، إذ قال بعد ذلك: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور: ٣٦-٣٨].
هذه البيوت هي موئل المؤمنين، ومهوى أفئدتهم، وهي رياض نفوسهم عندما يأتون إليها ليستمتعوا بلذيذ مناجاة الله سبحانه وتعالى.
ولا ريب أن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يؤذن –فيما يرويه عن الله سبحانه وتعالى– أن الإتيان إلى هذه البيوت إنما هو إتيان إلى الله وزيارةٌ لله سبحانه وتعالى، فقد جاء فيما يحكيه عن الله سبحانه وتعالى أنه قال: «إنما بيوتي في الأرض المساجد، وزواري فيها عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثم زارني في بيتي، فإن حقًّا على المزور أن يكرم الزائر».
ونجد حديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل أيضاً على أن البقاء في هذه البيوت من صلاة إلى صلاة إنما هو رباط؛ يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخطى إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط».
وإذا كان البقاء من صلاة إلى صلاة في المسجد رباطاً، فلا ريب أن البقاء لمدة طويلة بحيث يستقبل الإنسان صلاةً ويستدبر أخرى، وهو يستمر على البقاء وعلى ذكر الله تعالى، وعلى تلاوة كتابه، وعلى التأمل في آياته، وعلى العروج مع الملأ الأعلى إلى ملكوت الله سبحانه وتعالى للتمتع بمظاهر هذا الملكوت، من أعظم الرباط الذي يجعل هذه النفوس تقوى في مواجهة وساوس الشيطان وتحديات النفس وصعوبة هذه الحياة وجواذبها ودوافعها.
وأيُّ وقتٍ أنسب لذلك من وقت الصيام؟ هذا الصيام الذي يجعل هذه النفوس نفوساً قاهرةً لشهواتها، مسيطرةً على رغباتها ونزعاتها، مهيمنةً على نزواتها، متحكمةً في عواطفها، بحيث يقهر الإنسان كل نزغةٍ ونزعةٍ تدفعه إلى الشر؛ كما يدل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: «الصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤٌ سابَّه أو قاتله فليقل: إني صائم».
ومع هذا أيضاً هو يفطم نفسه عن شهواتها جميعاً، كما يدل على ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه».
لا ريب أن هذه النفس البشرية عندما تشفُّ وتهفو أحاسيسها بآثار الصيام، وتبقى مع ذلك في بيتٍ من بيوت الله سبحانه وتعالى، وتتأمل كتاب الله، وتُدارسه، وتحرص على قضاء الوقت ليلاً ونهاراً في ذكر الله سبحانه وتعالى، تصبح هذه النفس نفساً ملكيةً، نفساً تعرج مع الملائكة إلى ملكوت الله سبحانه وتعالى، فهي وإن كانت مع جسمها في هذه الأرض إلا أنها بقوّتها الروحانية تعرج إلى الملكوت الأعلى، وتصبح موصولةً بالله سبحانه وتعالى.
فلهذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتكاف في شهر رمضان، وكان حرصه على الاعتكاف في العشر الأواخر، التي كان فيها –كما أخبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها– كان إذا دخلت العشر شدَّ مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله؛ كان يحرص صلى الله عليه وسلم على ذلك.
… وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلةَ القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه».
فمن خلال هذا يصبح من الضروري أن يكون في الأمة من يعتني بهذا الخير، ومن يحرص على إحياء هذه السنة، ومن يطبِّق هذا المسلك الذي سلكه صلى الله عليه وسلم في هذه العشر الأواخر، فلذلك يتدافع الناس الذين يحرصون على الأجور إلى المساجد في هذه العشر الأواخر، من أجل كسب هذا الخير العظيم، والفوز بهذه الرغائب، وبلوغ هذه المقامات العالية.