⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الاعتكاف سُنَّة من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد وجد أيضًا في الشرائع السابقة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما أمر نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل قال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]، فدلَّ على أن الاعتكاف كان موجودًا فيما شرعه الله سبحانه وتعالى للأمم السابقة.
وهو يعني: الإقامة على الشيء وحبس النفس عليه، وكذا الحال بالنسبة للمعنى الشرعي الاصطلاحي للاعتكاف، فهو حبس النفس على طاعة الله سبحانه وتعالى في بيتٍ من بيوته، وإلزام النفس على ذلك ومداومة ذكر الله سبحانه وتعالى في بيتٍ من بيوته، نعم، هذا هو تعريف الاعتكاف، ولكونه سُنَّة ففيه فضل كثير وخير عميم.
والاعتكاف يعني: أن يتخلَّص المسلم من شوائب هذه الحياة الدنيا ومن أكدارها، رغبةً في أن يطهر قلبه، وأن يزكِّي نفسه، وأن يأنس بذكر الله سبحانه وتعالى، وأن يخلو مع نفسه ومع ربِّه جل وعلا في صلاة، وتلاوةٍ لكتاب الله عز وجل، ودعاءٍ وذكرٍ وأنواعٍ من الطاعات التي يحرص عليها في معتكفه، فيعينه ذلك على التزوُّد من زادٍ روحيٍّ يقيه الوقوع في المعاصي، ويمكنه من حمل نفسه على طاعة الله عز وجل والصبر عليها.
هذه هي الغاية من الاعتكاف، فهي مزيدٌ ممَّا يعينه على بلوغ تقوى الله سبحانه وتعالى، هي خطوات عملية تعينه على بلوغ التقوى، تتمثل في إدراكه أن في الحياة معنى آخر غير المعنى الذي يعرفه عموم الناس، هذا المعنى لا يتمثل في ماديات هذه الحياة وفي أغيارها، وفيما يمتلكه الناس وفيما يقتنونه من أموالٍ ومتاعٍ وزينةٍ وغير ذلك، وإنما يكتشف هذا المعتكف –وتتأكد في نفسه– أن للحياة معنى آخر، وأن هناك متعةً أخرى بعيدًا عن هذه الماديات وهذه الشكليات.
سوف يجد أن للحياة معنىً أعمق، هذا المعنى يتمثل في متانة صِلته بالخالق جل وعلا، وفي أُنس قلبه بذكر الله تبارك وتعالى، وفي شعوره بحلاوة الطاعة التي هو فيها، وهذه لا تكون إلا بتفريغ القلب من الشواغل ومن الصوارف التي يمكن أن تبعده عن حقيقة تذكُّر الله سبحانه وتعالى، ويمكن أن تنسيه في بعض اللحظات المنقلب والمآل الذي يصير إليه.
إذا به في معتكفه يتجرَّد من كل ذلك، فيعيش أو يُعايش حالةً من الأُنس ومن ذكر الله تبارك وتعالى، ومن حلاوة الإيمان وحلاوة الطاعة، فيعلم أن حقيقة الحياة لا تكمن في هذه الماديات وفيما يملكه، وإنما في قدرته على التخلِّي عن هذه الماديات وهذه الأموال، وعن هذه المتع التي كانت مباحةً له في الأصل، وعن الزينة التي أحلَّها له ربُّه جل وعلا، إلا أنه قادرٌ على التخلي عن ذلك كله.
فإن كان الصيام في نفسه يحمل هذا المفهوم، فإنه بالاعتكاف يزيد معنى آخر أعمق وأبعد، ولذلك فإن المعتكف يرجو كل هذه الخيرات، ويأمل أن يصل إلى هذه المرحلة ممَّا يعينه سائر العام على طاعة الله سبحانه وتعالى.
أما ما يتصل بالشروط والكيفية فقد نأتي إليه، سيأتي بحول الله.