⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
يعني ليس من السهولة أن نعد الآن عناوين لكتب التفسير، لكني أذكر بعض القواعد اللازمة لفهم آيات الكتاب العزيز وكيفية الاستفادة من كتب التفسير.
أولى القواعد: أن القراءة في كتب التفسير لا يمكن الاستغناء عنها، لا شك أن كتب التفسير فيها فوائد جمّة، ويجد القارئ فيها من المنافع واللطائف الشيء الكثير، ولا يمكن له أن يستغني عنها، وهي –كما يعرف الجميع– فنون وأصناف؛ فمنهم من يعني بالإعجاز البياني، ومنهم من يعني بالأحكام الشرعية، ومنهم من يعني بالقصص القرآني، إلى آخر الأبواب التي طرقها المفسرون.
لكن الأولى قبل ذلك أن يعمد القارئ إلى فتح صدره وتهيئة عقله وإعداد فكره لتلقّي هدايات القرآن الكريم، فلن ينفعه أن يقرأ في كتب التفسير إن كانت أبواب قلبه موصدة، وكان في عماية فكرية عن الانتفاع والاستفادة من أنوار وهدايات الكتاب العزيز.
إذًا القاعدة الأولى: أن يهيئ الملكات التي آتاه إياها ربه جل وعلا من عقل وقلب؛ لا يكفيه فقط أن يعمل عقله دون إيقاظ قلبه، كما أنه لن ينفع كثيرًا إذا ما فتح قلبه لكنه سكّر على عقله وفكره، فإذن لا بد أن يكون حاضر الذهن، يقظَ الفؤاد حينما يتعامل مع آيات القرآن الكريم.
ثم بعد ذلك أيضًا عليه أن ينظر إلى القرآن الكريم نظرًا كليًّا؛ فنحن نجد أن الكتاب العزيز كتابٌ محكم –وهو كذلك– أنزله الله تبارك وتعالى محكمًا، وهذا الإحكام يعني أن في القرآن نفسه ما يعين المتدبِّر الناظر على الفهم، وحثًّا على وجود التدبُّر في آيات الكتاب العزيز؛ فلا يصح له أن يجتزئ بعض الآيات وأن يخرجها من سياقها، ولا يلتفت إلى باقي المواضع التي ورد فيها ما يشبهها من كتاب الله عز وجل.
كما هو الحال أيضًا فيما يتعلق بالمفردات القرآنية؛ فعليه أن ينظر في ورود تلك المفردة في عموم الآيات القرآنية، بحيث يتمكّن من فهمها ومعرفة دلالتها من خلال استعمال القرآن الكريم لها، وهذا أمرٌ يَعْزُب في كثير من الأحيان عن الناظرين في كتاب الله تعالى؛ فإنهم يجتزئون، وينظرون في تلك المفردة أو في تلك الآية الكريمة، ولا يبحثون عن المواضع والسياقات التي وردت فيها تلك المفردة أو ورد فيها ذلك المعنى من كتاب الله تبارك وتعالى.
اللغة العربية: لا بد أن يعوِّل الناظر في كتاب الله عز وجل –المستقري آياته– لا بد أن يعوِّل على الوعاء الذي اختاره الله تبارك وتعالى تشريفًا وتكريمًا؛ ليكون اللسان الذي يخاطب به العالمين، وهذا الوعاء هو اللغة العربية.
وللأسف الشديد فإن أجيالنا المتأخرة إنما أُتِيَت من قِبَل إهمالها للغة العربية؛ فتجد أنهم لا يعرفون دلالات المفردات، ولا يعرفون حتى تركيب الجمل ودلالات هذه التراكيب، وما تدل عليه أساليب اللغة العربية، فيحصرون أذهانهم في قالَبٍ جامد، يضيقون به معاني الكتاب العزيز، وقد يدفعهم ذلك إلى الوقوع في الغواية والضلال والعياذ بالله.
لقد رأينا بعض الذين يخوضون في آيات الكتاب العزيز –يبدو أنهم يقصدون ذلك إغلاظًا وإضلالًا بالناس– أنهم يبتدعون هذه المفردات، فإما أن يجعلوها منبتّة عن أصلها اللغوي، وإما أن يحملوها ما لا تحتمله اللغة أصلًا؛ ولذلك فإن من اللازم للناظر في كتاب الله تبارك وتعالى أن يولِيَ اللغة العربية عنايةً، لا أقصد بذلك النحو فقط، لأن الذي حصل أيضًا أن المسلمين اليوم حصروا علوم اللغة في علم النحو فقط، مع أنه لا ريب أنه من علوم الآلة التي تعين وتساعد على فهم الكتاب العزيز.
وقد رأينا طائفة من الأسئلة التي وصلت إلينا من شأنها أن السائل لا يفرِّق، لا يعرف أبسط قواعد اللغة العربية؛ يعني بالأمس حينما كان من ضمن الأسئلة: من القائل: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، هل يُتصوَّر سائلٌ أن يكون القائل هو آدم عليه السلام؟! يقول إنه يعلم ما يبدون وما يكتمون، ويعلم غيب السماوات والأرض! والسائل الذي طرح أيضًا سؤالًا –ولم يُعرَض الآن السؤال– يعني لا يستدعي أن نخصِّص له وقتًا؛ وأدنى نظرٍ في القرآن الكريم نفسه كافٍ –كافلٌ– أجلَّ أن يصل إلى المعنى المراد، يعني: التفرقة بين الصوم والصيام مثلًا.
إذن حتى لا يطول بنا الحديث عن اللغة العربية من حيث النحو والصرف والبيان وعلوم البلاغة، ودلالات هذه المفردات، أو المعاجم اللغوية اللازمة: كل هذا الوعاء لا يلزم بالضرورة أن يقضي المرء عمره في دراستها، لكنه على الأقل فيما يحتاج إليه لا يتعجّل، لا يقفز إلى النتائج، يعمل هذه القواعد مجتمعة، سيصل إلى نتيجة، حينئذٍ يستعين بكتب التفسير، وهي كثيرة، قد نخصِّص يعني بعض الاختيارات، قد نخصِّص لها حلقة بإذن الله.