⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ قال ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ هذه ثلاثة أحكام، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
هذا الاستثناء اختلف علماء الأصول: هل هذا الاستثناء يرجع إلى كل هذه الجُمَل المتعاطفة، أو يرجع إلى الجملة الأخيرة منها فقط وهي الفسق، وهي الفسوق؟ هذا خلافٌ شهير عند الأصوليين –أي عند علماء أصول الفقه– خلاصته: هو أن الاستثناء من أساليب تخصيص العموم، والاستثناء بأدوات الاستثناء المعروفة في اللغة هو من المخصِّصات المتَّصلة، أي التي تأتي مع اللفظ أو الجملة نفسها.
والخلاف في هذا الاستثناء: هل يرجع إلى الجملة الأخيرة أو إلى كل الجُمَل المتعاطفة قبل أداة الاستثناء إنما هو عند انتفاء القرائن الدالة على ذلك؛ فإذا –حتى نحرِّر المسألة جيدًا– إذا وُجدت قرائن فإنه يُصار إلى القرائن التي تُبيِّن على ما يعود هذا الاستثناء: هل يعود إلى كل الجمل، أو أنه يعود إلى الجملة الأخيرة منها؟ وهذه القرائن في الغالب تكون لفظية أو معنوية، لكن يتبيَّن بها أن الاستثناء يعود إلى الكل أو إلى الجملة الأخيرة.
وأيضًا ممَّا ذكره الأصوليون: أن يصلح الاستثناء للعود على الجمل المتعاطفة؛ على سبيل المثال في هذه الآية الكريمة، فإن البحث هو في الجملتين الأخيرتين، لا في الحكم الأول، لا في الجملة الأولى في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾؛ ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
باتفاق العلماء فإن الجلد غير داخل في الاستثناء؛ لأن فيه حقًّا لآدمي، فبقيت عندنا جملتان، وهي: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، و﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
فالذي عليه جمهور الأصوليين –بعدما تحرَّر محلُّ الخلاف– هو أن الاستثناء يرجع إلى الجمل المتعاطفة كلِّها ما دام يصلح للعود لها كلِّها، ولم تكن هناك قرينةٌ صارفة، فإن الذي عليه جمهور الأصوليين هو أنه يعود هذا الاستثناء عليها جميعًا.
… أما الجلد فقد تقدَّم: باتفاق؛ لأن فيه حقًّا لآدمي، فهو غير داخل في هذه الآية الكريمة فيما يعود عليه الاستثناء، لوجود قرينةٍ خارجية؛ ولذلك أجمع أو اتفق العلماء على أن الجلد غير داخل في الاستثناء؛ فإن التوبة لا تُغيِّر من حقِّ الآدمي شيئًا.
هنا إذن: الشهادة والفسوق؛ إذن قبول الشهادة والحكم بالفسوق، وفي المسألة أقوال؛ بعضهم ذكر ستة أقوال، وبعضهم ذكر ثمانية أقوال، لكن أشهر الأقوال قولان: القول بأن الاستثناء يعود إلى الجمل المتعاطفة كلِّها، والقول الآخر: هو أنه يعود إلى الجملة الأخيرة.
مذهب الجمهور هو: أن هذا الاستثناء يعود على الجمل كلِّها في الحالة التي تقرَّر فيها محلُّ الخلاف، حتى لا نرجع –يعني– كل مرة ونُبيِّن: أين محلُّ الخلاف، ولهم أدلة من اللغة ومن القواعد الشرعية ظاهرةٌ جليَّة.
أكثر الأحناف –وهناك من وافقهم من غيرهم– يقولون بأن الاستثناء يعود على الجملة الأخيرة.
الشيخ السالمي رحمه الله في «طلعة الشمس» رجَّح القول بأنه يعود على الجمل المتعاطفة كلِّها، مع أنه في «جوهر النظام» ذكر أنها لا تعود على الجمل كلِّها، وإنما تعود على الجملة الأخيرة، لكن الذي يفهم من ترجيحه تصريحًا في «طلعة الشمس» –وهو المتن «شمس الأصول» الذي نظمه الشيخ السالمي رحمه الله في أصول الفقه وشرحه في «طلعة الشمس»– فنصَّ تصريحًا بأن القول الراجح هو أن الاستثناء يعود على الجمل المتعاطفة كلِّها.
وقلتُ بأن هذا هو مذهب الجمهور، مذهب جماهير العلماء، لعدَّة أدلة:
أن الجمل المتعاطفة هي في حُكمٍ واحد؛ هذا التعاطف دلَّ على اشتراكها في الحكم الذي يأتي بعدها لفظًا؛ فالاستثناء يكون منها كُلِّها، وأنه إن حصل الاستثناء لكل جملةٍ وهي متعاطفة فإن ذلك يكون مستهجَنًا في لغة العرب.
والأمر الثاني ممَّا استندوا إليه: هو أن هكذا كان فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن سيدَنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد قال للمغيرة … توبةً نصوحًا؛ فإن ذلك ينفي عنه وصف الفسوق، وعلى هذا ترتفع العلَّة المانعة من قبول شهادته.
فهذه هي أشهر الأدلة التي انتُصِر بها القائلون بأن الاستثناء إنما يعود على الجمل المتعاطفة كلِّها.
فالشيخ السالمي رحمه الله يقول في «شمس الأصول»:
«واُحكُم به للكلِّ إن تلا
جُمَلٌ معطوفةٌ إلا لمانعٍ حصلا
كأكرِمَنَّ بني مخزومَ وأعطِ السائلا
إلا فتى أتى مجادِلا».
فهو يضرب هذا المثال: مثال «أكرم بني مخزوم وأعطِ السائلَ إلا فتى أتى مجادِلًا»، فهو مستثنى سواء كان من بني مخزوم أو كان سائلًا؛ هذا الاستثناء يرجع إلى الجملتين، يرجع إلى الحكمين.
… والآية الكريمة تصلح لهذا، تصلح لأن تكون مثالًا على ما لا يدخل في النزاع في كل الجمل الثلاث؛ فتقدَّم بأن إقامة الحدِّ –هذه العقوبة الدنيوية– لا تسقط بالتوبة؛ لماذا؟ لوجود أدلة خارجية تدلُّ على أن حقوق الآدمي لا تسقط بالتوبة، فإذًا هي غير داخلة في الاستثناء.
كذا الحال في كثيرٍ من الجمل من النصوص الشرعية في كتاب الله عز وجل وفي سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حينما توجد قرينة فإنه يُصار إلى القرينة.
لكن محلُّ الخلاف: أن لا توجد قرينة، وأن يصلح الاستثناء للعود إلى الجمل المتعاطفة أو إلى بعضها كما يصلح للعود إلى الجملة الأخيرة؛ هذا هو محلُّ النزاع.
ولذلك تقدَّم بأن القول الراجح هو أن الاستثناء يعود على الجمل المتعاطفة، إلا ما أخرجته قرينة، في هذه الآية الكريمة من سورة النور.
… للتنبيه فقط: فإن بعض الفقهاء قال بأن التوبة ترفع العلَّة المانعة من قبول الشهادة، وإن لم يقل بأن الاستثناء يعود على كلِّ الجمل المتعاطفة؛ لأنه نظر إلى العلَّة فقط، وقال: لما قال ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، فدلَّ ذلك على أن العلَّة هي الفسوق؛ فارتفاع العلَّة موجبٌ لبقاء الحكم على ما كان عليه.
وهو وإن لم يقل –كما تقدَّم– بأن الاستثناء يعود على الجمل كلِّها، لكن هذا ليس هو محل البحث؛ محلُّ البحث هو فيما سأل عنه السائل، وهو: الاستثناء، وعود هذا الاستثناء على الجمل المتعاطفة.
… والحقيقة أن كل هذه من القرائن التي قلنا بأنها خارج محلِّ النزاع؛ هذا هو القول الذي تطمئنُّ إليه النفس، وهو أن الاستثناء يعود على الجمل المتعاطفة ما لم تصرف قرينةٌ هذا الاستثناء عن جملةٍ منها أو عن بعضها.
والله تعالى أعلم.
… الحدود روادع وزواجر، واختُلِف: هل هي مكفِّرات أو ليست بمكفِّرات؟ لكن إن كان الواقع في الحدِّ –المحدود– إن لم يكن مباليًا بالحدِّ الذي أُقيم عليه، وكان مع إقامة العقوبة عليه مصرًّا مستكبرًا آنفًا، أو غير مبالٍ، ولا مكترثٍ بندمٍ على ما وقع فيه، ولا بإنابته إلى الله تبارك وتعالى، فكيف يُقال بأن إقامة الحدِّ في ذاتها مكفِّرةٌ له عن ذنبه وهو غير مبالٍ بحقِّ الله عز وجل عليه ولا بحقوق الآدميين عليه؟ فالمسألة تحتاج إلى تفصيل، لكن إطلاق القول فيها هكذا فيه نظرٌ كبير لا يخفى.
والله تعالى أعلم.