⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
في هذه القضية أمران: أما الأمر الأول فهو حقيقة المحبة التي أُمرنا بها ربنا جل وعلا، والأمر الثاني هو كيفية التعبير عن هذه المحبة.
أما حقيقة المحبة فإن منشأها –لا شك– منشأ عقلي؛ لأن الله تبارك وتعالى أمرنا بذلك في محكم كتابه حينما قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]، وهذا مَلحَظ آخر يتصل بما كنا نتحدث عنه عن منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه سبحانه وتعالى؛ لأن هذه جملة خبرية، هي ليست بجملة إنشائية، ليس فيها أمر، وإنما: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، لكنه خبر يحمل الإنشاء، فأريد من الخبر معنى الثبات والتأكيد، لأن هذا هو معنى الجمل الخبرية: أنها تحمل معنى الثبات، بحيث تكون هذه الأسوة –ما يشتمل عليه من إنشاء هذا الخبر– يكون ثابتًا دائمًا راسخًا مستقرًّا لا مساومة فيه.
وقال أيضًا ربنا جل وعلا في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: 24]. فهاتان الآيتان مع مواضع أخرى من كتاب الله عز وجل تجعل من حبه صلى الله عليه وسلم لدى المكلفين المخاطَبين فريضةً واجبة، ولذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده»، وفي رواية: «لا يؤمن عبدٌ –أو رجلٌ في رواية عند الإمام مسلم– حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه وماله والناس أجمعين»، وفي حديث آخر عنه عليه الصلاة والسلام: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يكره أن يرجع في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله».
هذه الأدلة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤكد ما تقرر أيضًا في كتاب الله عز وجل من أن محبته عليه الصلاة والسلام فريضة واجبة على المخاطَبين المكلفين؛ كيف ونحن نعلم عِظَم منزلته وعظم فضله على هذه الأمة؛ لأنه هو الذي أرسله الله تبارك وتعالى بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، وأرسله رحمة للعالمين، وقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
أما الجانب الآخر فهو كيفية التعبير عن هذه المحبة، وهذا إنما يتحقق بعد تبين أن هذه المحبة لا يُقصد منها مجرد العاطفة الفطرية، وإنما يُراد منها المحبة الاختيارية الكَسْبية التي يحمل المرءُ نفسَه عليها؛ فقد يحب المرءُ ولده أو زوجه، أو يحب الأولادُ أبويهم، هذه محبة فطرية، لكن المقصود هو أن يحمل المكلَّف نفسَه على محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، يُقصَد الحب الاختياري الكسبي كما يقرر أهل العلم، هذا الذي يجعل نفسَ المكلف تنساق وراء أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه إذا ما تعارض ذلك مع أي حبٍّ فطري آخر، فيؤثر حبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمله، في أقواله وأفعاله، على حب من سواه عليه الصلاة والسلام؛ هذا هو المقصود بالحب.
ونلمس ذلك من حديث آخر، من طريق وَرَد في قصة مع سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ فإنه حينما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقدم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه وماله»، فقال: والله يا رسول الله، والذي نفسي بيده إنك لأحبُّ الخلق إليَّ إلا من نفسي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم –وقد أخذ بيده–: «لا، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك»، فقال عمر رضي الله عنه: فالآن يا رسول الله؛ فعمر بن الخطاب كان يشير إلى الحب الفطري، وهو حب المرء لنفسه، وصرح عن هذا الحب الفطري، فأرشده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا يتحدث عن هذا، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود –لأنه قد لا يكون قادرًا على التحكم في مشاعره وعواطفه الفطرية– إنما المقصود المحبة التي يتحكم فيها، التي يغرسها ويحمل نفسه عليها ويؤثرها على ما سواها؛ ولذلك نبهه إلى هذا المعنى، فتنبه سيدنا عمر، ولذلك قال: فالآن يا رسول الله.
إذاً هي جزء من الإيمان، هذا هو المقصود، نعم، هي من صميم عقيدة المسلمين، وأدلتها هذه التي تقدمت، والمقصود منها الحب الاختياري الكسبي الذي يحمل المرءُ نفسَه عليه ويسوق جوارحه وانفعالاته ومشاعره نحو ذلك الحب، بحيث لا يقدَّم عليه أي حب آخر، وهذا ليس هو دليلًا على حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب، وإنما هو دليل حبه لله تبارك وتعالى؛ بدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31].
وهذا هو معنى الأمر الثاني، وهو: كيفية التعبير عن هذا الحب؛ فإنا لا أظن أن مسلمًا ينتسب إلى هذا الدين، رضي بالله تبارك وتعالى ربًّا وبمحمد صلى الله عليه وسلم… إلا وهو محبٌّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المسلم قد يخطئ، قد يَفْشَل في التعبير عن الحب، قد يخونه التعبير الصحيح، يكتفي بالجانب القلبي، قد يكتفي بالجانب القلبي، قد تغلبه نفسُه وأهواءُ هذه الحياة الدنيا وشهواتها، لكن عليه أن يصحح وضعه وأن يتوب إلى الله تبارك وتعالى، وأن يبدأ بتعظيم من عظَّمه له ربُّه جل وعلا، وهو نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن ينظر في أفضاله عليه، على هذه الأمة، على الناس أجمعين حتى يوقِر في قلبه حقَّ التوقير.