مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

هجر الأب والأرحام

ما نصيحتكم لرجل لا يزور أباه لأنه يسكن مع أخته التي يهجرها، وآخران متخاصمان منذ زمن طويل ولا يزور أحدهما أباه إلا نادراً؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذا من الخذلان، هذا حرمان، الله المستعان. فالله تبارك وتعالى قرن برَّ الوالدين بطاعته: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. لو كان الوالدان مشركين، وهما يدعوان ولدهما إلى الإشراك بالله، فإننا مع ذلك نجد أن القرآن الكريم يقول: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ ثم قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فكيف يهنأ عيشٌ لولدٍ يهجر أباه 35 عامًا؟ كيف وهو يجد أن الله تبارك وتعالى يقرن بين طاعته –بل يقرن بين الإعراض عنه– وبين تقطيع الأرحام؟ يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. ورسولنا صلى الله عليه وسلم حينما ذكر أكبر الكبائر قال: «الإشراك بالله» –في أول كبيرة سماها– ثم قال: «وعقوق الوالدين»، ثم قال: «ألا وقول الزور». فعلى هذا الولد أن يتوب إلى ربه، وأن يصل والده، وأن يبرَّ به، وليس له أن يؤخِّر أو يؤجِّل؛ فالسؤال عن الأب، وحق الأب عظيم؛ فقد جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، فسأله: من أحقُّ الناس بحُسن صحابتي يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك، ثم أدناك أدناك»؛ فحقُّ الأب يأتي بعد حق الأم. وعلى هذا فإن من كان مقصِّرًا في حق أمه أو في حق أبيه أن يُبادر ولا يسوِّف؛ لأنه في حياته سيكون محرومًا من التوفيق، جالبًا لنفسه الوِزْر والإثم؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه»، فقيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه أو أحدَهما ولم يدخل بهما الجنة». فهل جزاء الوالدين العقوق بعدما قاما بالتربية، وبعدما سهرا ليبقى هو هانئ البال، يُعطيانه من صحتهما، ويُقدِّمانه على نفسيهما، ويَبذُلان الغاليَ رخيصًا؟ إن الواجب عليه أن يقبِّل لهما أقدامهما، وأن يتدارك نفسه قبل أن يأتي هادم اللذات، ولْيتب إلى الله تبارك وتعالى. واليوم –مع توفُّر وسائل الاتصال– بإمكانه أن يرفع السماعة، وسيجد قلب والده قلبًا حانيًا عطوفًا، وإن كان مقصرًا في أمه فليبدأ بأمه الآن، في هذه اللحظة، ليغتنم هذه اللحظة الطيبة من هذا الشهر الفضيل، وليبادر إلى صلة من قطعه من والديه أو من أرحامه عمومًا، ولينتهز فرصة هذا الشهر. نحن كنا سنعتبر أخاه، لكن هو هجر والده أيضًا مع هجره لأخيه، وحق الأب مقدَّم، وإلا فإن عليه أيضًا أن يبادر وأن يكون هو المُحسِن؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جاءه رجل فقال –حتى لا يحتجَّ علينا أنهم هم الذين يسيئون إليه– هذا الرجل يقول لنبينا عليه الصلاة والسلام: إن لي رحمًا أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، فقال رسول الله: فهل عليَّ من شيءٍ إن أنا هجرتهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم الملَّ» –والمَلُّ هو الرماد الساخن، كناية عن حجته عليهم، بتسببه في الوِزْر عليهم– ثم قال: «ليس الواصل بالمكافئ»، أي ليست هي صفقة معاوضة، «وإنما الواصل من يصل إذا قطعه الناس، ومن يعطي إذا منعه الناس». هكذا ينبغي أن يكون المسلم، ونحن نرى اليوم –قد تجد هذا الرجل يشتكي من عقوق أولاده، ولا ينتبه إلى أن هذا إنما هو جزاءٌ وفاقًا لما قدَّمه هو في والديه أو في أحدهما– ونجد هذا التفكك الأسري في المجتمعات، ونجد نزع البركة من الأعمار والأوقات، فمنشأ ذلك –في صدارة الأسباب– إنما هو عقوق الوالدين وتقطيع الأرحام. ولذلك لا بد للمسلم أن يبادر ولا يسوِّف، ولا يلتفت إلى وساوس الشيطان؛ ليفعل ذلك الآن، وسيجد –كما تقدَّم– سيجد قلب والديه، سيجد قلب أمه وقلب أبيه قلوبًا حانِية عطوفة رحيمة متشوِّقة إليه، قريبة سهلة، وعليه أن يُصلح ما بينه وبين إخوانه، وبينه وبين باقي أرحامه. وفي السؤال الأول: البوابة التي يدخل من خلالها إلى أبيه هي الأخت، وفي السؤال الثاني هو الأخ، حُكم خصومته لأخيه وأخته أيضًا هذا أيضًا من تقطيع الأرحام، والأدلة السابقة –كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾– قرن الله عز وجل التولي عن طاعته والاستجابة لأمره، ذكر أن الذي يصحب ذلك هو الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام، لعِظَم ما يورثه الإعراض عن أمر الله تبارك وتعالى. فحق الرحم حق عظيم، وورد في أحاديث كثيرة أنها متعلقة بالعرش، تقول: «اللهم صِلْ من وصلني، واقطع من قطعني»، وورد أيضًا أن صلة الرحم مَنسأةٌ في العمر، وبركةٌ في الأثر. فلا يصح للمسلم أن يهجر إخوانه؛ إذا كان من عموم المسلمين –والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»– فكيف بقرابته وأرحامه؟ هؤلاء حقهم أعظم. وما قيمة الدنيا أصلًا أن يُخاصِم المرء أخاه، أو أن يقطع والديه، أو أن يُعرِض عن أرحامه وأقاربه؟ ما قيمة هذه الحياة الدنيا إذا كان الإنسان لا يستطيع، إذا كان المسلم لا يُحسن صلته بأرحامه وأقاربه، ولا يصل ولا يبر بوالديه، فأي خير يُرتجى من هذا الإنسان؟ هنا قصة –واسمح لي– وقد أعجبني موقف المسؤول في هذه القصة؛ منذ مدة ليست ببعيدة ذُكِر لأحد الإخوة أن رجلًا أيضًا هجر أمه، وقد مرضت أمه وهي تسكن في منطقة جبلية، ثم أُخِذت –بعد ذلك– بتدخل بعض الجهات الذين يتواصلون مع هذه المناطق الجبلية، أُخِذت إلى المستشفى، وتوصّلوا –يعني– ما أحد يزورها أبدًا، ثم توصلوا إلى هذا الولد، إلى هذا الشاب، فرفض، رفض أن يصل أمه وأن يزورها، قساوة. حينما خاطبه –وهو في الجيش، يعمل في الجيش– فالضابط المسؤول عنه ألزمَه بذلك؛ فاحتجَّ بالعمل، احتجَّ بوظيفته وعمله، وهنا أنا أُشيد بموقف هذا المسؤول، هذا الضابط، قال له: جيشنا في غِنى عنك إن كنت معرضًا عن أمك، وسنفصلك إذا لم تصل أمك؛ فعندها ذهب إلى أمه، وهناك مدَّ حبل الوداد. أيضًا الأرض الطيبة تحتاج إلى نفوس طيبة تُقيم أَوَد الحياة فيها على حُسن الصِّلة، وعلى العُروة الوثقى، وأن ننبذ هذه العداوات والحظوظ النفسية، وأن نعلم أن هذه الدنيا زائلة، وأننا عنها منقولون، ولن يبقى لنا إلا إحسانُنا وعملُنا الصالح، وهذا بابٌ مشروعٌ فتحه الله تبارك وتعالى لعباده، فكيف يُعرِضون عنه؟ ثم بعد ذلك –يعني– يظهرون… وهذا أيضًا، هناك شجون؛ بعض الناس ممن يتزيّا بالصلاح، لكنه لا ينتبه إلى هذه المعاني –للأسف الشديد– وهذا لا شك أنه خلل؛ لأن تقطيع الأرحام إنما هو من كبائر الذنوب، وعقوق الوالدين في صدارة هذه الكبائر كما تقدَّم في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١٢‏/٦‏/٢٠١٦👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي 6 رمضان 1437 هـ HD

التوبة والتبعات والحقوقحقوق الوالدين

✦ فتاوى مشابهة

ترك زيارة الوالدين

2 👁

ما حكم من لا يزور والديه لأسابيع بحجج واهية، خاصة من استقر في المدن بعيدًا عنهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٩‏/٤‏/٢٠١٧

عقوق الابن لأمه في نفس البيت

2 👁

ما نصيحتكم لابن يسكن مع أمه في بيت واحد ولا يسلم عليها ولا يكلمها منذ شهرين، وماذا على الأم أن تفعل؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

حكم صلة الأرحام

6 👁

ما حكم صلة الأرحام وما هي المدة التي يُعد فيها الشخص قاطعاً للرحم ومن هم الأرحام الذين تجب صلتهم؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٨‏/٨‏/٢٠٢٣

هجر الإخوة بسبب الخصومات

4 👁

إخوة وأخوات أشقاء لا يجتمعون بسبب الخصومات، فما القول هنا؟

👤ماجد بن محمد الكندي
١٧‏/٨‏/٢٠٢٥

ترك زيارة الوالدين لأسابيع

2 👁

ما حكم من لا يزور والديه لأسابيع بحجج واهية خاصة من استقر في المدن للعمل؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

من هم الأرحام وما هو القطع

8 👁

من هم الأرحام الذين يأثم الإنسان بقطعهم، وما حقيقة القطع؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٩‏/٧‏/٢٠٢٣