⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
طيب، سأذكر هنا ثلاثة أصول نحتاج إليها حتى نتصوَّر عِظم أثر ما يتعلق بالسلامة المرورية؛ لأن المسألة بالغةُ الخطورة، ومبعثُ خطورتها أنها تتعلق بأرواح الناس، تتعلق بالأنفس وحفظها وصيانتها ورعايتها، ثم إنها تتعلق بالأملاك العامة والخاصَّة، تتعلق بموارد الدولة وكيف تُصرَف وأين تُوضَع، تتعلق بجوانب معنوية من أخلاقٍ وآدابٍ تُظهِر حضارةَ المجتمع، تُظهِر رُقِيَّ أمةٍ من الأمم أو عكس ذلك.
أما الأمر الأول؛ فهو ما تقدَّم من تأصيل منزلة الأمن في هذا الدِّين، ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى كما تقدَّم في سياقاتٍ، بل قال عن الكعبة المشرَّفة: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]، إلى هذا الحد، ونجد أن إبراهيم عليه السلام حينما أمره ربُّه أن يهاجر إلى مكة المكرَّمة دعا ربَّه، دعا إبراهيم عليه السلام ربَّه أن يجعل هذا البلد آمنا، ونجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا حينما هاجر إلى المدينة المنورة فإنه دعا بالأمن والأمان، وجعل المدينة حَرَما كما كانت مكة حَرما آمنا؛ إذًا المسألة أو الأصل الأول هو إدراك منزلة الأمن والسِّلم والسلام في المجتمعات؛ فهو أَسُّ العُمران، وهو المَحضِن الذي يمكن أن تُوجَد فيه الطاعة والعبادة والتديُّن لله تبارك وتعالى.
أما الأصل الثاني؛ فهو أن ما يتعلق بسلامة الطُّرقات، أو سلامة الناس في طُرقاتهم وبأمنهم فيها، أمرٌ يتعلَّق بمقصدٍ كُلِّيٍّ ضروريٍّ من ضرورات هذا الدِّين؛ لأنه يتعلَّق بحفظ الأنفُس، وحفظُ الأنفس هو الضرورةُ الثانية بعد حفظ الدِّين، فلا يتقدَّم حفظَ الأنفُسِ شيءٌ سوى حفظ الدِّين، ولذلك فإن لهذه المنزلة، لهذه القضية، صَدارتَها وأولويَّتَها، ولا مساومة في هذه القضية، وما الذي يأتي بعدها؟ يأتي بعدها حفظُ المال، وهي الكلِّيَّة الثالثة عند كثير من الأصوليين؛ يرون أن حفظ المال مقدَّم على حفظ العقل. فكل ما يتعلق بأمن الطُّرقات وسلامة المرور نجد أن له صلةً بحياة الناس، بحفظ أرواحهم وصيانة أبدانهم أسوياءَ أصحَّاءَ أحياءَ، ثم بعد ذلك يتعلَّق بالممتلكات العامة والخاصة، بحفظ المال، هذا هو الأصل الثاني.
أما الأصل الثالث؛ فإن هناك أحكاما شرعيةً خاصَّةً وردت فيما يتعلق بالطُّرقات، بحقِّ الطريق وحقِّ مستخدمي الطريق؛ هناك أحكام تشريعية خاصة وردت، خصوصا فيما يتعلق بحفظ الطريق، بحقوق هذه الطريق، وفيما يتعلق بحفظ حقوق مَن يستخدم الطريق.
وهي – يعني إذا أردنا تصنيفها أيضا ثم بعد ذلك نذكر بعض الفروع – منها ما كان متعلقا بحقِّ الطريق، كما في حديثٍ صالحٍ عند البخاري وأصحاب السُّنن من طريق أبي سعيد الخدري؛ لما ذكروا – سأل أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يجلسون في الطُّرقات، فذكروا له ما ذكروا – فقال: «إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ»، فقالوا: وما حقُّ الطريق؟ فذكر صلى الله عليه وسلم حقوق الطريق من: ردِّ السلام، وغَضِّ البصر، وكَفِّ الأذى، والأمرِ بالمعروف، والنهيِ عن المنكر. هذه خمسة حقوق وردت في أغلب الروايات التي وردت عند أصحاب الصِّحاح والسُّنن والمسانيد، في بعض الروايات هناك حقوق أخرى – عسى أن يتَّسِع الوقت لذكرها – لكن هذه هي الحقوق الأصلية، وهي حقوقٌ للطريق، من ضمنها كَفُّ الأذى، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر.
وهناك – كما قلت – أحكام شرعية تتعلق بهذا الموضوع، هناك مقاصدُ مرعيَّةٌ شرعا أيضا؛ لأنها تتعلق بجلب المصالح ودرء المفاسد، ومن أجل ذلك فإنها تدخُل في هذا الجانب التشريعي في هذا الأصل الثالث.
وهنا نجد أن بعض الآيات القرآنية التي وردت في تهذيب أخلاق المسلمين لها صِلةٌ وفقا الأحكام الشرعية المتعلِّقة بمستَخدِم الطريق، من نحو قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37]، ومن نحو قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19].
هذه الآيات القرآنية تتناول القضيَّة التي تشيرون إليها من دعوى بعض الناس أنهم أحرارٌ في الطُّرقات، فيدفعهم ذلك إلى الغرور والزَّهْو والعُتُوِّ والتكبُّر على مستخدمي الطريق وعلى المارَّة، وعدم المبالاة بأنفسهم، بأرواحهم، ولا بممتلكاتهم، ولا بأرواح غيرهم وممتلكات غيرهم؛ لأن هذا الدِّين جاء لتهذيب طباع الناس، بإيلافهم استشعارَ مراقبةِ الله تبارك وتعالى لهم، وأنهم يُسألون عن أعمالهم حينما يقفون بين يديه جل وعلا، فعليهم استحضار – بل يجب أن يستحضروا – هذا الوازع الإيماني حينما يقودون مركباتهم ويسيرون في هذه الطُّرقات.
إذًا هذه الأدلة الشرعية، مع التأصيل السابق، تتناول هذه القضيَّة إجمالا وتفصيلا.