⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
اما بعد فان الشورى في ذاتها قيمة من القيم النبيلة الأصيلة التي تُبنى عليها المجتمعات ويتحقق بها الاستقرار وترقى بها الأمم، فهي في ذاتها مبدأ أصيل، ودليل ذلك من كتاب الله عز وجل أن الله تبارك وتعالى أمر خير خلقه على الإطلاق، الذي هو أكمل الناس رأيًا وأرجحهم عقلا، وهو المسدَّد بالوحي من عند ربه سبحانه وتعالى، أمره بالمشاورة، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
وكان هذا الأمر بعد غزوة أُحد على أثر ما نُكِب به المسلمون، ومع ذلك يأتي الوحي الرباني ليوجّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين جميعًا هذا التوجيه الذي يكفل لهم بناء دولتهم بناءً صحيحًا قويمًا تجتمع فيه الآراء وتستخلص منه، وتستخلص به، أفضلُها، وتُرجَّح كفة ما هو أحسن لإدارة شؤون المجتمع والدولة والوطن.
ولو لم يكن أيضًا من أمر الشورى إلا أنها قيمة ومبدأٌ أصيل، إلا ما نجده أيضًا من وصف الله تبارك وتعالى للمسلمين جميعًا، وهم لا يزالون في مكة المكرمة جماعةً مضطهدة تعاني من صنوف التعذيب وأنواع الأذى من أهل مكة المشركين ما تعانيه، ومع ذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يصفهم وصفًا بليغًا يبيّن فيه أعظم صفاتهم، فيقول: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: 38].
فتوسط وصفُ الله عز وجل لهؤلاء، لهذه الجماعة المؤمنة، بأن أمرهم شورى بينهم، توسط وصفَهم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
بلغ من أهمية الشورى أن السورة كلها سُمِّيت باسم هذه الخصلة، وسميت باسم هذا المبدأ، فهي سورة الشورى، وهي سورة مكية.
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل وُصِف رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو كما تقدم المسدَّد بالوحي وأرجح الناس عقلا وأوفرهم رأيًا، ومع ذلك فقد ورد – كما عند الترمذي من طريق أبي هريرة – قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرَ مشورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فذو العقول النابِهة والكفاءات الراجحة الذين يعتنون ببناء أوطانهم بناءً صحيحًا لا يمكن لهم أن يستغنوا بحال عن المشاورة، أو عن اعتماد مبدأ الشورى، وعن التشاور فيما يتعلق بإدارة الشؤون المحلية من تدابير إدارية أو اجتماعية أو معيشية أو حيوية، أو مما يتعلق بما فيه صلاح المجتمع وصلاح الناس، ودرء المفاسد عنهم، ونفي الاستبداد في الرأي، ونفي التسلط على الآخرين.
وهذا لا ريب يفضي إلى أن يُستخلَص من الآراء أفضلُها، وأن يؤخذ بما هو أحسن وأفضل لذلك المجتمع، وهذا هو لبُّ معنى الشورى، فإن الشورى مأخوذة لغةً واصطلاحًا من شار العسلَ أي إذا استخلصه عند الجني، ومأخوذة من شار الدابةَ عند البيع والشراء أي إذا قلَبها ليتخذ بعد ذلك قراره في الإقبال أو الإحجام على البيع، فتقليب الآراء لاستخلاص ما هو أفضل منها لا ريب أنه يحقق بناء الأوطان ويعين على نفي الاستبداد والظلم والتسلط ويحقق معنى رعاية الأمانة التي أودعها الله سبحانه وتعالى لذوي الولايات العامة، فليس أحد يمكن أن يستغني برأيه وعقله عن آراء غيره، لا سيما من ذوي الدراية والأمانة والاختصاص، والله تعالى أعلم.