⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الشورى مبدأ، ولكونها مبدأ فإن كيفية تطبيقاتها تخضع لظروف الزمان والمكان.
فمقصود الشارع من تشريع الشورى أن يتحقق وجودها في حياة المسلمين، وحينما نُقلِّب الأدلة الشرعية نجد أصنافًا منها اشتمل عليها كتاب الله عز وجل؛ فكما تقدم في سورة الشورى فإن الله تبارك وتعالى وصف المسلمين في كل أمورهم بأنها – أي هذه الأمور – مبنية على الشورى، فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]، وهذه تشمل كل جوانب حياتهم.
فهي تأسيس للمرحلة التي سيحتاج فيها المسلمون – هؤلاء الذين هم لا يزيدون عن كونهم جماعة مضطهَدة في المجتمع المكي – إلا أنهم يُهيَّأون لما بعد ذلك بتأصيل هذا المبدأ في نفوسهم وفي واقع حياتهم.
ثم نجد نوعًا آخر، وهو فيما يتعلق بشأن إدارة الشأن العام أو الممارسة السياسية كما نعرفها نحن اليوم، وهي التي يمكن أن تُفهَم من سورة آل عمران في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]، ونجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر قبل أُحد كان يقول: «أشيروا عليَّ أيها الناس، أشيروا عليَّ أيها الناس»، كان يتطلّب آراء أصحابه في شأن من شؤون الحرب.
ونجد أن الله تبارك وتعالى في سورة البقرة يذكر نوعًا آخر، وهو مما يتعلق بالحياة الاجتماعية وبتنظيم الأسرة، فقال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: 233]، وهذا فيما يتعلق بفطام الرضيع بين الأبوين.
إذاً هذه الأصناف التي نجدها في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها تؤكد على أن المطلوب هو تحقق حصول هذا المبدأ في واقع حياة الناس، أما كيفية ذلك فإنها ترجع إلى ظروف الموضوع المستشار فيه، وإلى أحوال المجتمع زمانًا ومكانًا.
ومن أجل ذلك نجد هذه الصور العديدة؛ فهناك من القضايا ما يستدعي أن تكون المشورة فيه على أوسع نطاق لأنه يتعلق بعموم البلوى، أي بما يهم الناس جميعًا، وهناك من القضايا ما لا يصلح له إلا أهل الحل والعقد، نعم، وهناك من القضايا ما لا يصلح له إلا العدد البسيط من ذوي الخبرة والكفاءة كإعلان الحروب وإنهائها، لأن هذه لا بد أن تُحاط بمزيد من السرية؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، لأن الشأن يتعلق بأحوال الحروب إعلانًا لها أو تجنبًا لها.
وهكذا كانت ممارسة صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه استشار في حياته أكثرَ وجهاء الصحابة وعُرَفاء المسلمين فيما يتعلق بمن يستخلف من بعده، فلما استقر الرأي على أن خير من يمكن أن يستخلف هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فإنه استخلفه وعهد إليه بالخلافة.
وأما عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، فإنه اختار مجموعة من خيار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل الأمر شورى بينهم ليختاروا واحدًا منهم، فهذه نماذج لتطبيق الشورى.
ما الذي يحدد الشكل والهيئة والكيفية؟ الشورى نفسها، أي تشاور جماعة المسلمين، هو الذي يمكن أن يحدد الشكل والهيئة والكيفية التي يمكن أن تكون صالحة مناسبة لتطبيق الشورى وممارستها.