⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا سؤال غاية في الأهمية، ونحن حينما نتأمل الأدلة الشرعية نجد أن أمر الشورى لا يقتصر على الممارسة السياسية التي يعرفها الناس لأجل المجالس النيابية أو مجالس الشورى أو البرلمانات أو بأي اسم كانت، وإنما أريد للشورى لكي تكون مبدأً أصيلًا ثابتًا راسخًا يتصف به المؤمنون.
بدليل أن آية سورة الشورى إنما جاءت في سورة سُمِّيَت باسم الشورى، أي الآية التي فيها: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ هي في سورة الشورى، وهي سورة مكيَّة في ذلك الوقت الذي كان فيه المؤمنون مضطهدين ويُمارَس عليهم سائر أنواع العذاب والإقصاء ويتلقون أنواع الاستبداد، تُوصَف جماعتهم بأنهم: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؛ فهذه السورة سورة مكية، جاءت في العهد المكي، لها دلالتها العظيمة لكون اسمها باسم هذا المبدأ الأصيل.
ولأن ورود هذه الصفة لجماعة المؤمنين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ جاء بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وقلَّما يُفصَل بين هذين الركنين العظيمين في كتاب الله عز وجل، وجاءت هذه الصفات بعد ذكر الاستجابة لأوامر الله عز وجل؛ ولذلك قال: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، ونحن نعلم أن إقامة الصلاة تعني إقامة عمود الدين، فالصلاة عمود الدين، فكان إشارة لطيفة إلى أن الذي يَلِي إقامة الصلاة هو أيضًا مما به قِوام حياة الناس، مما به قِوام حياة هذه الجماعة المتشكلة التي تُصاغ خصائصها وصفاتها في العهد المكي.
ولذلك اتبع القرآن العظيم قولَ الحق جل وعلا: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ثم جاء بعد ذلك: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
هذه آية عامة لا يقتصر تطبيقها على وجه واحد من وجوه الممارسات الحيوية، بل هي أقرب إلى تنظيم أمور الحياة والدعوة والاهتمام بالشأن الخاص في هذا السياق الذي نزلت فيه، منه إلى أن يُستدل بها في الممارسة السياسية أو العسكرية التي نعرفها نحن اليوم؛ لأنه ما أُذن لهم بالقتال يومها، وما كانوا يشكلون إلا جماعة في مجتمع يُمارَس سائر أنواع الظلم والطغيان عليهم.
ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة نتذكر أنه في غزوة بدر كان يقول: «أشيروا عليَّ أيها الناس، أشيروا عليَّ أيها الناس»، ثم في غزوة أُحُد هذه الآية التي ذكرتها أيضًا: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ جاء الأمر بالمشاورة بعد الهزيمة التي أصابت المؤمنين في غزوة أُحُد بسبب مخالفة الرماة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يأتي القرآن العظيم ليوجِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من بعده أن المحافظة على المبادئ الثابتة أولى، وكان الانتصار إنما يتحقق بالمحافظة على المبادئ، حتى ولو كانت مخالفتها مُفضيةً إلى هزيمة المؤمنين، إلا أن ذلك مما يؤكد ضرورة الالتزام بها؛ ولذلك قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
ثم نجد أيضًا في سورة البقرة أن الله سبحانه وتعالى بيَّن أمرًا من أمور الحياة الزوجية وأرشد إلى أن لا يكون القرار فيه إلا بعد تشاور، فقال في أمر فِطام الرضيع: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، مما يعني أن دائرة الشورى لا تقتصر على جانب من جوانب هذه الحياة، بل المقصود أن يتدرب المؤمنون على ممارسة الشورى في سائر شؤونهم.
في الحياة الزوجية، ولذلك أيضًا نتذكر: «لا تُنكح البكر حتى تُستأذن، ولا الثيِّب حتى تُستأمر»، وفي رواية: «حتى تُستشار». ففي الحياة الزوجية لا بد من ممارسة المشاورة، في التربية لا بد أيضًا من أن يكون من الأبوين إشراك للأولاد فيما يتصل بشؤونهم وبترتيب أوضاعهم.
تتسع الدائرة بعد ذلك أيضًا لتشمل عملية التعلُّم والتعليم؛ فإنه لا يمكن أن يُطلب من أفراد المسلمين في مرحلة من مراحل حياتهم أن يمارسوا الشورى إن لم يكونوا قد تدرَّبوا عليها تنظيرًا وتطبيقًا في سائر دوائر حياتهم: داخل الأسرة، في المدرسة، والمعهد، والجامعة، في أماكن العمل أيضًا، لا بد من أن يعي الناس أهمية الشورى التي تعني إشراك الآخرين في الرأي، وبالتالي إشراكهم في تحمُّل المسؤولية.
وهذا يعني أو يُفضي إلى أن يؤدوا المسؤوليات بأمانة وبإتقان وبأحسن؛ لأنهم كانوا شركاء في صنع القرار، وبالتالي عليهم أن يتحملوا النتائج معه، وهذا لا ريب مما أرشد إليه هذا الدين حينما نتأمل كل هذه الأدلة القرآنية، وحينما نتأمل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ورد من طريق أبي هريرة قال: كان أحدٌ أكثرَ مشاورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يشاور صلى الله عليه وسلم صحبه الكرام رضوان الله تعالى عليهم في سائر شؤونهم، وفي سائر ما يهم أمر المسلمين، مع أنه هو صلى الله عليه وعلى آله وسلم المُسَدَّد بالوحي، ومع أنه هو المسدَّد بالوحي الذي يتلقى من عند ربه جل وعلا، وهو أيضًا لا شك ذو العقل الوافر والحكمة البالغة، ومع ذلك فما كان يستغني صلى الله عليه وسلم عن مشاورة أصحابه.
وهكذا نزل عليه القرآن العظيم بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وهكذا كان وصفه، وصف جماعة المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وهكذا كان وصفهم أيضًا في كتاب الله عز وجل في مواضع شتى بأنهم يأمرون بالمعروف ويتناهَون عن المنكر.
نعم، إذًا يُراد لهذه الشورى أن تكون ثقافة يتعامل بها الناس في شتى مناحي حياتهم.