✓ تم نسخ الرابط
معنى بغير حساب
ما معنى قوله تعالى: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب»؟
⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علِّمنا ما لم نعلم، وفهِّمنا ما لم نفهم، واهدِنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فالجواب عن هذه المسألة هو أن معنى هذه الآية الكريمة قريب جدًّا من قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: 212]، وهذا المعنى تكرَّر كثيرًا في كتاب الله عز وجل، وهنا فئة خاصة بيَّن الله عز وجل أن لها من عنده أجرًا ورزقًا بغير حساب، فقال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
وخير من جمع الوجوه التي تحتملها هذه الآية الكريمة –فيما اطَّلعتُ عليه– الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز في «النبأ العظيم». وأذكر أني حينما اطَّلعت على ما كتبه، وقد ذكر معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ في هامش الكتاب في النسخة التي اطَّلعتُ عليها في صلب الكتاب، فشدَّني ما اطَّلعت عليه حين قرأت ما كتبه الشيخ دراز في «النبأ العظيم»، وما ذكره في آية البقرة: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يَصدُق على هذه الآية الكريمة محل السؤال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
ولنفهم معنى الآية الكريمة لعلي أُلخِّص –بتصرُّف– ما قاله الشيخ دراز، وقد ذكر ذلك في الهامش حينما تحدَّث عن وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وذكر أن القرآن قد بلغ نهاية الفضيلة البيانية لجمعِه بين خصائص عدة، ذكر منها: القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى مع تباعد ما بين هذه الأوصاف، إلا أن القرآن يَجمع هذه الخصائص؛ فقال في الأمر الأول: القصد في اللفظ مع الوفاء بالمعنى، ثم قال –أيضًا من ضمن هذه الخصائص–: إقناع العقل وإمتاع العاطفة، وذكر في الخاصية الثالثة: خطاب العامة وخطاب الخاصة؛ أي في سياق واحد، في تركيب بياني واحد، تجد أنه يصلح لخطاب العامة كما يصلح لخطاب الخاصة، تجد أن فيه إقناعًا للعقل كما أن فيه إمتاعًا للعاطفة، تجد أنه يسلك مسلك القصد في اللفظ مع عدم الإخلال بشيء مما يستدعيه المعنى، وذكر من جملة ذلك: الجمع بين البيان والإجمال.
وفي الهامش ذكر هذا المثال وهو قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وقد قلتُ بأن ما ذكره من وجوه يصلح على هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فيمكن أن يُنظر إلى معنى هذه الآية الكريمة من جهة الرازق سبحانه وتعالى، كما يمكن أن يُنظر إليها من جهة المرزوق الذين يُوَفَّوْن أجورَهم بغير حساب في الآية محل السؤال.
أما من جهة الرازق سبحانه وتعالى:
فإنه يرزق بغير أن يحاسبه أحد، أو يسأله سائل؛ فيكون المعنى صحيحًا: «بغير حساب» أي على هذا الرازق، فلا يسأله سائل ولا يحاسبه محاسب.
والوجه الثاني: أن هذا الرازق سبحانه وتعالى يعطي من غير تقتير ولا حساب لنفاد؛ فعطاؤه لا نفاد له، وهو يعطي عطاءً لا حد له، لا يخشى معه تقتيرًا ولا نفادًا من قبل نفسه؛ فلئن كان الوجه الأول من محاسب يحاسب أو سائل يسأل، فقد تكون المَبْخَلَة من جهة النفس، وهذا منتفٍ في حق الله تبارك وتعالى؛ فهو يعطي بلا تقتير ولا خوف من محاسبة النفس على النفاد، هذا من جهة الرازق، من جهة الذي يُوفِّي الصابرين أجورَهم سبحانه وتعالى.
أما من جهة المرزوق، فهناك وجوه ثلاثة يمكن أيضًا تلخيصها:
أن رزق هؤلاء الذين يرزقهم الله تبارك وتعالى بغير حساب –وهم الصابرون في هذه الآية الكريمة– يأتيهم من حيث لا يحتسبون ولا ينتظرون؛ فيكون معنى الآية صحيحًا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي من حيث لا يحتسبون ولا ينتظرون.
والمعنى الثاني: أنهم يُوفَّوْن أجورَهم دون أن يخشوا عواقب، أو أن يسألهم سائل، أو أن يحاسبهم محاسب؛ فهذا العطاء، هذا الأجر الذي أعدَّه الله تبارك وتعالى، لا يسألهم عنه سائل، ولا يحاسبهم عليه محاسب، وهذا المعنى صحيح صالح، يضيف وفاءً للمعنى.
والمعنى الثالث: أن هذا العطاء، هذا الأجر والثواب، وهذا الرزق الذي ادَّخره الله تبارك وتعالى لهؤلاء، إنه لا أمد له ولا حد له؛ فيختلف عما قبله، وعما قبله الأول في حق المرزوقين هؤلاء؛ فالأول: أنه يأتيهم من حيث لا يحتسبون ولا ينتظرون، وأما الثاني: فهو عند عطائهم؛ فإنهم لا يخشون عاقبة، لا يخشون من يسألهم، ولا من يحاسبهم على ما أُعْطُوا إياه، وأما الثالث فيتعلَّق بالعطاء نفسه؛ فالعطاء نفسه لا حد له ولا غاية؛ لأنه من عند الملك الرازق سبحانه وتعالى، ولذلك فهو خارج حساب البشر، خارج ما يتوقَّعونه، لا غاية له ولا أمد ولا حد.
هذه وجوه خمسة، كلها تتسع لها هذه الآية الكريمة وأمثالها في كتاب الله عز وجل، وهي كلها مقصودة، ولذلك عدَّها الشيخ دراز مثالًا على البيان والإجمال في السياق الواحد، ويترتَّب على هذه التوجيهات المعنوية، على هذه التفسيرات، أيضًا يترتَّب عليها أوصاف في حق الله تبارك وتعالى تليق بجلاله وكماله وجماله سبحانه وتعالى، ويترتَّب عليها –أيضًا– أوصاف هي في حق العباد المرزوقين من حيث افتقارهم إلى الله تبارك وتعالى، وإيمانهم به، ورضاهم بما يقسمه لهم، ويقينهم بعطائه سبحانه وتعالى، ويقينهم بالآخرة، كل هذه المعاني تنبني على الوجوه التفسيرية لهذه الآية الكريمة.
والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٣/٦/٢٠٢٥👁 2 مشاهدة
🎬
#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 27 ذو الحجة 1446 هـ
القران الكريم
✦ فتاوى مشابهة
تفسير القرآن بغير علم
2 👁هل يجوز تفسير آية خذوا زينتكم عند كل مسجد بغير علم على غير مرادها؟
👤أحمد بن عبيد التمتمي
٣٠/٤/٢٠٢٢معنى تفطير الصائم
2 👁ما المقصود بأجر تفطير الصائم، وهل يمتد الأجر ليشمل من يوفر للصائم الإفطار ثم العشاء والتراويح؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٦/٤/٢٠٢٣الحلف بحق القرآن
9 👁ما حكم الحلف بقول: وبحق القرآن؟
👤ماجد بن محمد الكندي
٢٦/١/٢٠٢٤معنى من دونكم في البطانة
4 👁ما معنى قوله تعالى في آية البطانة: "لا تتخذوا بطانة من دونكم"، ولماذا قال الله تعالى "من دونكم"؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠/١٠/٢٠٢٠تفسير سامرًا تهجرون
3 👁ما الروايات الصحيحة في تفسير قوله تعالى: مستكبرين به سامرًا تهجرون، وما معناها؟
👤كهلان بن نبهان الخروصي
٤/٤/٢٠٢٣قراءة بلا تدبر
2 👁هل يؤجر الإنسان على قراءة القرآن دون تدبر، وهل التدبر واجب؟
👤أحمد بن حمد الخليلي
١٧/٨/٢٠١١