⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
أما الجواب على هذه المسألة، فإن مسألة إلقاء السلام على غير المسلم فيها خلاف قديم بين أهل العلم، ويمكن لنا أن نختصر أقوال العلماء فيها إلى أقوال أربعة:
القول الأول: قول المانعين، وهو قول أكثر الفقهاء، لا سيما من المتقدمين، فإنهم يمنعون ابتداء غير المسلمين بإلقاء السلام عليهم، ويستندون في ذلك إلى جملة من الأدلة، وأظهر هذه الأدلة هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه». هذا الدليل هو أبرز ما احتج به المانعون من إلقاء السلام على الكافر، أي على غير المسلم، كتابيا كان أو غير كتابي.
وأما الآية التي يشيرون إليها في السؤال، وهي قول الله عز وجل على لسان نبيه الكريمين موسى وهارون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: 47]، فلا متمسك فيها؛ لأن دلالتها دلالة مفهوم، وهو من أضعف المفاهيم، وإنما حجة هؤلاء هو الحديث المتقدم، وهو حديث صحيح.
والقول الثاني: هو قول القائلين بالجواز مطلقا؛ فإن طائفة من العلماء يقولون بجواز ابتداء غير المسلم بالسلام، ومنهم بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبعض التابعين، وطائفة من علماء هذه الأمة من السلف والخلف.
وهؤلاء استندوا إلى جملة من الأدلة العامة التي وردت أيضا في كتاب الله عز وجل وفي هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام؛ وفي مقدمة هذه الأدلة ما علم من هدي هذا الدين: أنه جاء لنشر السِّلم والسلام، وأنه دعوة إلى هداية الناس إلى الصراط المستقيم، وأنه جاء بمكارم الأخلاق ومحاسن الخلال.
فالله تعالى يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]. فإن كان الله عز وجل يبين في هذه الآية إرشاد عباده إلى أن يكونوا بَرَرَةً مُقْسِطين بغير المسلمين ممن لا يقاتلونهم في الدين ولم يخرجوهم من ديارهم، فإن من أبسط أنواع البر بهؤلاء إلقاء السلام عليهم.
وكذلك استدلوا بقوله جل وعلا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، فإن طائفة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم حمل القول الحسن المأمور به في هذه الآية الكريمة على إلقاء السلام، وقالوا: بأنه غير خاص بالمسلمين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ﴾ أي لمؤمنهم وكافرهم، وفيهم وفاجرهم، ما لم يكن متلبسا بمنكر حال مقابلته.
واستدلوا أيضا ببعض الآيات التي وردت في السؤال؛ من نحو وصف الله عز وجل للمؤمنين: ﴿قَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: 55]، فإن هذه المحاورة هي مع غير المسلمين، سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين المكذبين، والله عز وجل أثنى عليهم، وبين أن ذلك من خلالهم وصفاتهم.
وكذا في قوله جل وعلا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، فإن عددا من المفسرين أيضا يحملون السلام على ظاهره، وهو إلقاء كلمة السلام على هؤلاء الذين يخوضون في اللغو من القول.
وكذلك أيضا استندوا إلى إبراهيم عليه السلام في قوله لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]، ولم يرد ناسخ لهذا التوجيه أو لهذا الهدي الذي أكرم الله عز وجل به نبيه الكريم إبراهيم الخليل عليه السلام عليه الصلاة والسلام.
وردوا على قول المانعين المستند إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام»، بأن ذلك ورد في سبب خاص، وهو أنه صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام كان على همٍّ بأن يغزو بني قريظة، يهود بني قريظة، فقال ذلك قبل يوم من خروجه إليهم؛ فقد قال لأصحابه رضوان الله تعالى عليهم: «إن أنتم أتيتم يهود غدا فلا تبدؤوهم بسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه». فجعلوا هذا الحكم المأخوذ من هذا الحديث خاصا بحالة الاستعداد لترك المسالمة والانتقال إلى القتال والمواجهة، فترك الموادعة والانتقال إلى حالة المتاركة، والأمان الذي يكون بين المسلمين وغيرهم لا يتناسب معه إلقاء السلام على هؤلاء الذين يهم المسلمون بغزوهم وقتالهم لعدوان تقدم منهم.
القول الثالث: هو قول من حمل النهي على الكراهة؛ فإن من الفقهاء من يرى أن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابتداء غير المسلمين بالسلام إنما يحمل على الكراهة لهذه الصوارف والقرائن والأدلة الواردة في كتاب الله عز وجل وفي ذات سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولِما عُلِم من حاله عليه الصلاة والسلام من أنه كان يستقبل وفودا من المشركين ومن اليهود ومن النصارى من العرب ومن غيرهم، وكان يكاتب غيرهم، وما عُهد عنه أنه كان ذا جفاء في خلقه، ولا يبتدئ بالسلام والتحية.
وأما القول الرابع: فهو قول من يرى أن ابتداء السلام عليهم إنما يكون حينما توجد حاجة دينية أو دنيوية؛ كدفع أذى، أو دفع شر من شرورهم، أو رجاء مصلحة راجحة من دعوتهم إلى الخير أو إيصال الهدى إليهم، أو غير ذلك من الأمور المعتبرة شرعا. فهؤلاء يقيدون الإباحة بتحقق مصلحة ومنفعة.
والحقيقة أن هذا القول قريب من قول القائلين بالجواز؛ لأن القائلين بالجواز قُيِّد بما لم يكن في إلقاء السلام عليهم أي نوع من أنواع الذل والهوان، أو إكرام الكافر لكفره وشركه، وإنما قيدوه – أو يُفهَم من كلامهم – أن ذلك إنما لما يُتَوخَّى من مصلحة دينية أو دنيوية.
وهذا القول، القول بالجواز مع وجود مصلحة، هو القول الأظهر؛ أن غاية ما تمسك به المانعون هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام»، وهو دليل خاص، وكان الواجب أن تُحمَل الأدلة العامة على هذا الدليل الخاص على ما هو مقتضى القواعد الأصولية، لكن هذا الدليل الخاص ورد في سبب خاص، فيُحمَل عليه، وهذا هو الذي يُفهَم حتى من جملة من أدلة الكتاب العزيز.
حينما نجد أن الله سبحانه وتعالى يعاتب المسلمين على من ألقى عليهم السلام: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: 94]، هذا في حالة المواجهة، في حالة الاقتتال؛ فإذا كان العتاب الذي وُجِّه للمسلمين على أنهم حملوا من ألقى إليهم السلام على رغبته في دفع القتل عن نفسه، ويأتي القرآن الكريم ليُعَنِّفَ في أنهم ما كان ينبغي لهم أن يقتلوه حينما يُلقي عليهم السلام، فمن باب أولى أن يكون هدي هذا الدين في حالة السَّعة والمسالمة، وفي حالة الذمة التي تكون بينهم وبين غيرهم، أن يكون هديهم إظهار شعائر هذا الدين، وبسط الأخلاق للناس.
وأما ما يقوله أيضا – وهذا ملحظ – ما يقوله بعض المانعين: من أن في إلقاء السلام إكراما للكافر، ردَّه أيضا كثير من العلماء بأن هذه التحية هي تحية الإسلام، وهذا شعار للمسلمين؛ فإلقاؤها على غيرهم هو رفعٌ لشعار الإسلام، وإكرامٌ للمسلم نفسه في محافظته على أخلاق دينه، وعلى شعائر دينه.
والله تعالى أعلم.