⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن موطن الإنسان هو موضع استقراره وبيئته، والموضع الذي يختار فيه ما تطمئن إليه نفسه من الخير ويجد فيه في كنفه راحة النفس واستقرار البال، وكثيرًا ما يكون ذلك مربوطًا أو مشدودًا إلى ذكريات الصبا، ذكريات الشباب التي تدغدغ الأحلام وتستثير من كوامن النفس أحاسيسها وعاطفتها، ولذلك يحن الإنسان إلى الأوطان حنينه إلى ماضيه؛ فإن من دأب الإنسان أن يكون شديد الحنين إلى الماضي، وهذا مألوف من طبع البشر، والأوطان فيها الذكريات التي تتعمق في النفس والتي تسوق هذه النفس إلى ما تسوقها إليه.
كما يقول الشاعر:
وحُبِّبَ أوطانُ الرجالِ إليهمُ
معاهدُ قَضَّوْها الشبابَ هنالِكَ
إذا ذكروا أوطانَهم ذكَّرَتْهُمُ
عهودَ الصِّبا فيها فحنُّوا لِذَلِكا
ولذلك نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام كان مشدودًا إلى وطنه الأصلي، إلى وطنه الأم، إلى مكة المكرمة، وعندما كان يودِّعها مهاجرًا في سبيل الله، ولاجئًا إلى الله سبحانه وتعالى، ألقى النظرة التي ألقاها إليها وقال: «يعلم الله إنك لأحب بلاد الله إليَّ، وأنت أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت».
فمعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام كان مشدودًا إلى هذا الموطن، ولا ريب؛ ففي ذلك عاطفة إنسانية، وفي ذلك قيمة إيمانية.
أما العاطفة الإنسانية فلما ذكرته؛ لأن الإنسان مشدود بطبعه إلى ماضيه.
وأما القيمة الإيمانية؛ فإن الوطن إنما هو جزء من أرض الله سبحانه وتعالى التي أسبغ الله سبحانه وتعالى على عبده المواطن فيها نعمته، وفجَّر له ينابيع الخير فيها، وظلَّله بما ظلَّله به من فضله وإحسانه وبِرِّه، فلذلك كان من الإيمان أن يراعي قيمة ذلك المكان الذي وجد فيه نعمة الله سبحانه وتعالى، المكان الذي استنشق أول ما استنشق من هوائه، واكتحل أول ما اكتحل بضيائه، وارتوى أول ما ارتوى بمائه، فمن طبيعة الإنسان أن يكون مشدودًا إلى هذه الأرض التي له فيها هذه الذكريات، ومن قيامه بحق الله سبحانه وتعالى، قيامٌ من قيامه بحق الله سبحانه وتعالى شكره لهذه النعمة، نعمة استقراره في هذا المكان.
والقرآن الكريم يدلُّنا على ذلك عندما يأمر عباد الله بعبادة الله سبحانه وتعالى، يذكرهم نعمة الله تعالى عليهم بما خلق لهم من مناخٍ واستقرارٍ في هذه الأرض: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ، فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22].
الله سبحانه وتعالى يدعونا إلى مراعاة حق هذه الأوطان، الأرض التي استقر فيها الإنسان وتظلَّل بسمائها واستقرَّ في فراشها، ثم مع ذلك نزل من السماء الماء، ونبت ما نبت فيها من الزرع، لا ريب أن هذه الأرض أكل من خيراتها وانتفع بها، فجديرٌ به أن يكون شاكرًا لنعمة الله سبحانه وتعالى، ولذلك لا يشكر الأوطان ولا يعرف قيمة الأوطان إلا من شكر مَن أنعم بهذه الأوطان، من ارتبط بطاعة الله وبِحُسن عبادته.