⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الأصل في الأمر إذا كان فطريا: أي مما فطر الله تبارك وتعالى الناس عليه، أي الجِبِلّة التي أوجدهم عليها، فمقتضى هذه الجِبِلّة من نحو حبِّ الأبوين – على سبيل المثال – هذا فطرة في المولود أن يحب والديه، وهذا هو المقصود؛ هناك أعمال هي في خَلق هذا الإنسان، وُجدت فطرةً فيه، نعم، أي إن الله تعالى جبله عليها، هذه هي الفطرة بمعناها البسيط.
ما علاقتها بالإيمان؟ الإيمان: لأن الله تبارك وتعالى أوجد هذا الإنسان وقد فطره على الإيمان، هذا يؤخَذ من أحاديث، من جملة أدلة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أشهر ما يُستشهد به من حديث واضح صريح هو حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه»؛ فالمقصود بأن المولود يولد وفطرته سليمة سوية، أي أن يكون موحِّدا لله تبارك وتعالى، وأن يدرك أن هذا الخالق موصوف بصفات الكمال والجلال، وله القدرة المطلقة، والإرادة الكاملة، وأنه هو مخلوق لهذا الخالق، وأن الكون من حوله إنما هو من خَلق هذا الخالق.
وإن هذا – إذا كانت فطرته كذا، لنضرب مثالا – فطرة المعادن أنها تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، نعم، هذه فطرة فيها؛ لأن الله تبارك وتعالى جبلها على هذه الخصائص، نعم، ركّب فيها هذه الخصائص، كذلك هذا الإنسان ركّب الله عز وجل فيه جبلة الإيمان به تبارك وتعالى، وإدراك أن له خالقا، وأن هذا الخالق موصوف بصفات الكمال المطلق، وأن الكون من حوله أيضا من صُنع هذا الخالق.
وهذه الفطرة إما أن تُعزَّز بالأدلة النقلية والعقلية، فتنْسجم هذه الأدلة مع الأدلة الفطرية، فتستقيم حياة هذا الإنسان لتكامل هذه الأدلة والبراهين عنده، وإما أن يطرأ على هذه الفطرة ما يُنكِّد عليها ويشوِّهها؛ إما من تشويه في الأدلة السمعية، أو انحراف في الأدلة العقلية والاستنتاج العقلي، نعم.
وهذا أيضا مما خلقه الله تبارك وتعالى في بني آدم حينما أشهدهم وهم ذرية في ظهر آدم عليه السلام، فأشهدهم الله تبارك وتعالى، أي أشهد ذرية بني آدم، ولذلك قيل: الذرية هي من الذر، أي إنهم كانوا في عالم الغيب ذَرًّا، نعم، فأشهدهم على ربوبيته سبحانه وتعالى، وبين أن المقصود من ذلك حتى لا يحتجّوا عليه فيما تقوم فيه الحجة بالفطرة والعقل أنهم لم يأتهم ما يبين لهم وما يحتجون به، أو ما يهديهم إلى هذه الحقائق الإيمانية التي تقوم بالفطرة والأدلة العقلية السوية، هذا هو المقصود.
أين يقع الوطن من هذه المواضيع التي تفضّلتم؟ يعني وقعت الإشارة فيما تقدم إلى أن الفطرة هي ما جبَل الله تبارك وتعالى الناس عليه؛ فبنو آدم مفطورون على حب الأرض التي نشَؤوا فيها، وترعرعوا فيها، وأكلوا من خيراتها، وقضَوا فيها طفولتهم، وتعرّفوا فيها على أترابهم، فيشعرون بانتماء، ويشعرون بصلة بينهم وبين تلك الأرض، هذا المعنى الفطري، هذا الجانب، هو معنى الجانب الفطري في الإيمان، تُعزِّزه بعد ذلك أدلة شرعية.
نحن نجد أن ربنا تبارك وتعالى جعل من عقوبات بني إسرائيل الإخراج من الأرض، نعم، وجعلها بِازاء – قال: ﴿أَنْ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوْ تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] – فجعلها في قرن مع قتل الأنفس أو الإخراج من الديار، وعاتبهم على أنهم في بعض القضايا من العقوبات أنهم يخرجون فريقا منهم من ديارهم، ويسكتون عن ذلك في مواضع أخرى؛ لأن الإخراج من الوطن فيه نوع عقوبة لما يورثه من صعوبة وتكلُّف لدى هذا الإنسان، فالشعور بالغربة وبالبعد عن الوطن والتهجير عنه يجعل الإنسان وكأنه مبتوت عن جذوره وأصوله التي ينتمي إليها.
هذا المعنى – كما قلت – ملحوظ في الأدلة الشرعية؛ ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب مكة المكرمة، ولما اضطرّه قومه إلى الخروج منها، التفت إليها وبقلب حزين منكسر، ويقول: «والله إنكِ لأحبُّ البلاد إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منكِ ما خرجت»؛ ثم لما استوطن هو عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم المدينة – المدينة المنورة – فإن طائفةً منهم في أول الأمر استوخَموا المدينة، وتاقت نفوسهم شوقا إلى مكة؛ لأنها مرابع طفولتهم، وهي المعاهد التي نشَؤوا فيها وارتبطوا بها، فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ودعا أن تُحوَّل حُمّاها إلى خارجها، نعم.
وهذا أيضا فيه دليل على أن للوطن، وللأرض التي يعيش فيها هذا الإنسان ويحيا، حقوقا عليه، نعم، ولذلك نجد في دعاء إبراهيم عليه السلام الخليل – وهذا الدعاء ورد مرتين – نعم، قال: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]؛ لأن أمان الأوطان سبب للإعانة على توحيد الله عز وجل وعبادته.
هذا المعنى ملحوظ في دعاء إبراهيم عليه السلام، بل هو صريح في بيان أنه توجّه إلى ربِّه تبارك وتعالى بأن يكتب الأمن لتلك الأرض، لمكة المكرمة التي أمره ربُّه تبارك وتعالى أن يهاجر إليها، وأن يترك فيها ولده إسماعيل وهو رضيع مع أمه في وادٍ غير ذي زرع؛ فأول ما دعا إبراهيم عليه السلام دعا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾، نعم، ثم كرر الدعاء لما صار ذلك الموضع صار بلدا، قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾.
فكذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عليه الصلاة والسلام، كان إذا كان في سفر لغزو أو غيره، ثم رجع إلى المدينة المنورة، فإنه إذا اقترب من المدينة يحثُّ راحلته، يوضِع ناقته، أي يحثها لأجل أن تصل إلى المدينة المنورة، وارتبط حتى بأُحُد، وقال: «هذا أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبّه»؛ مع أن الذكرى التي كانت في أُحُد كانت ذكرى مؤلمة، نعم.
فهذه أدلة شرعية يؤخَذ منها ما للوطن من حقوق على المكلَّف، وإن كان هذا الشرع قد جاء بمفهوم الأمة، لكن ليس هناك تعارض بين أن يكون المسلم فردا في أمةٍ لها دينها وملّتها وشعارها ومناسكها ومنهاجها، وهي خير أمة بنص كتاب الله عز وجل، حين قال ربنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، لكن هذا لا يعني نفي الارتباط بالوطن إيمانيا وأداء حقوق الوطن.
نجد فيما قصه لنا ربنا تبارك وتعالى من دعاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم كانوا يخاطبون أقوامهم: ﴿يَا قَوْمِ﴾، ﴿يَا قَوْمِ﴾، يذكّرونهم بالأصرة التي تجمعهم بهم، وينظرون في وجوه الخلل والفساد المنتشرة؛ ما من نبي أو رسول إلا وسعى إلى إصلاح المجتمع الذي هو فيه، إلى إصلاح بني قومه، وإلى نهيهم عن المنكرات التي تنتشر فيهم، فكانوا يشخّصون الأدواء والعلل التي تُوجَد؛ فما كانت دعوتهم دعوةً إيمانيةً مجردةً عن الالتفات إلى ما يُصلِح أحوال الناس، وما يُصلِح معايشهم، وما ينفي عنهم وجوه المنكرات والفساد، وما يورثهم طمأنينةً وأمنا يمكِّنهم من توحيد الله عز وجل وعبادته.
والموضوع ذو شجون، موضوع طويل، وإنما بحسب ما سألتم.
والله تعالى الموفق.