مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

إثم الربا على الدائن والمدين

شخص يزعم أن إثم الربا يقع على الدائن فقط لأنه آكل الربا، وأن القرآن إنما توعد آكل الربا دون المدين، وأن عقوبته دنيوية بإعلان الحرب وليست أخروية؛ فهل هذا الفهم صحيح؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هذا كلام عجيب؛ لأن ما ورد فيه من بعض الأدلة ينفي الاستنتاج الذي ورد في صدر السؤال؛ فإن قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279] هو خطابٌ لعموم المؤمنين، هو خطابٌ للمجتمع بأسره، إن لم ينتهِ هؤلاء المخاطَبون، إن لم يَكُفُّوا عن الربا أكلًا وإيلافًا وتعاونًا بأي وجه من الوجوه، فإن الله سبحانه وتعالى قد توعَّدَهم بإعلان الحرب عليهم، ولا يُوجَد في كتاب الله عز وجل من تغليظ العقوبة وتغليظ الوعيد مثل هذا الذي ورد في شأن الربا. أما أن نجد آيات الكتاب العزيز فيها أن الخطاب –أكثر مما يتصل بالربا– أن الخطاب موجَّه إلى الآكلين، فلأنه سبب البلاء، ولأنهم الظَّلَمة في المقام الأول، ولأنهم هم الذين يأكلون أموال الناس ظلمًا، لكن كما أن خطاب الله عز وجل قد أغلظ على هؤلاء، فإنه أيضًا لم يَسُغْ للذين يُؤْكَلون الربا أن يرضَوْا بهذا الظلم، وأن يقفوا من هؤلاء الذين يأكلون الربا موقف المتخلي عن المسؤولية الذي يرمي بالجرم على غيره ويتنصَّل هو منه؛ ولهذا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لعن الله الربا وآكِلَه ومُؤْكِلَه وكاتبَه وشاهِدَيْه»، وقال: «هم سواء»؛ يعني في الإثم. ولما خطب خطبة الوداع قال: «ألا إنَّ رِبَا الجاهلية موضوع كله، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب». وحينما نتأمل في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لعن الله الربا وآكِلَه ومُؤْكِلَه…» إلى آخره، فإننا نفهم أن المقصود أن تُستأصل شأفة هذه الآفة من المجتمع تمامًا، وأن تتضافر جهود الناس في المجتمع لأجل الخلاص من هذه المظالم، فلا يجد أحدٌ سببًا للوقوع في هذه المظالم وإتيان هذه الكبائر. والدليل الآخر أن الآية حينما خاطبت هؤلاء قالت: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]، فنفَتْ عنهم الظلم، وأثبتت لهم رؤوس أموالهم دون الزيادات المشروطة، ورفعت عنهم ما يمكن أن يُصابوا به من ظلمٍ وإجحافٍ حينما يتوب هؤلاء، ومُؤْكِلُوهم من الربا، فإن الخطاب للآكلين وللمؤكِلين. على أن مثل هذه الأقوال إنما تنشأ ممن يُنكِر حجِّية سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية والتقريرية؛ لأن هذا الأمر قد أجمع عليه علماء الإسلام عبر تاريخهم جميعًا، لم يقل أحدٌ منهم بأن إثم الربا إنما يقع على الآكل دون المُؤْكِل، أو أن المشاركين في هذه الجريمة هم أبرياء من الإثم ومن الجرم والوزر، ولا يبقى إلا الآكل فقط؛ لم يقل أحدٌ بذلك من علماء الإسلام عبر تاريخهم، فإجماع كلمتهم القولية والعملية وقضائهم على هذا الأمر. أما الذين يُنكِرون سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتتنوع مَشارِبُهم؛ فمنهم من نجد أنه يُسلِّط نظره نحو فضائل الأعمال، ويريد أن ينفي ما ثبت صحيحًا مرويًّا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فضائل الأعمال بالكلية –كما تقدَّم في السؤال الأول من أمر صوم يوم عاشوراء–، ومنهم من يريد أن ينفي الحدود والعقوبات عن هذا الدين؛ تارةً تجد أنهم يعترضون على حدِّ الردة، وأخرى يعترضون على حدِّ الرجم للثَّيِّب، للمحصن الزاني، وتارةً أيضًا يردِّدون ما يقوله الماديُّون البعيدون عن كل دين ومِلَّةٍ وشرعٍ وهُدى، من أن العقوبات والحدود فيها قسوة لا تتناسب وواقعنا المعاصر. ولو قلَب هؤلاء النظر، ودرَسوا الأدلة التشريعية والعلوم التي تُستنبَط بها الأحكام الشرعية، لَمَا وَسِعَهم –ولو لم يؤمنوا– إلا أن يُصَدِّقوا المناهج العلمية وطرق البحث، وطرق البحث القديمة منها والمعاصرة، التي تُقَرِّر لهم أنه لا يسوغ الاجتزاء ولا انتقاء الأدلة الشرعية، والتسوُّر من خلال هذا الاستقطاع والاجتزاء والانتقاء إلى نقد أحكام شرعية ثابتة؛ ذلك أن الأحكام الشرعية إنما تُبْنَى من مجموع الأدلة الشرعية الواردة في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيما تقوم به الحجة من الإجماع، وفي القياس بشروطه؛ فلا يصح أن يُعْمَد إلى دليل واحد فقط، وهذا الدليل يجدون فيه مأخذًا فيهدم الحكمَ الشرعي، مع كونه قد ثبت من أدلة شرعية أخرى عديدة صحيحة، وكلامنا إنما هو في الأدلة الصحيحة الثابتة. نعم، فلا بد –حتى ولو لم نتحدَّث من منطلق شرعي، وإنما تحدَّثْنا من تأسيس علمي كما قلت، تاريخي أو معاصر– فإن مناهج البحث العلمي تُلزِم كلَّ باحث أن يجمع كل الأدلة وأن ينظر فيها جميعًا، وأن يقيم النتائج التي يتوصل إليها بعد اجتهاده وإعماله النظر في كل تلك الأدلة، وحينما نجد أن فقيهًا أو عالمًا يضعِّف دليلًا من الأدلة، فإن هذا لا يعني أنه لم يتوصل إلى الحكم الشرعي الثابت؛ لأن هناك أدلة أخرى تؤكد أو تدل على ذلك الحكم الشرعي. وهذا استطراد كان لا بد منه فيما يتصل بهذه القضية؛ لأنها فرع لأصل، ولعلنا نتحدَّث عنه في مناسبة أخرى…
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢‏/١١‏/٢٠١٤👁 3 مشاهدة
🎬

فتاوى متنوعة - د. - كهلان بن نبهان الخروصي ليلة 10 محرم 1436 هـ HD

الحديث الشريفتوبة آكل الربا

✦ فتاوى مشابهة

إعلان الحرب على آكل الربا

2 👁

ما معنى إعلان الحرب من الله ورسوله على آكل الربا في قوله تعالى: فأذنوا بحرب من الله ورسوله؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٤‏/٤‏/٢٠٢١

عقوبة آكل الربا

2 👁

ما عقوبة من يأخذ الربا مع أن القرآن لم يذكر نوع العقوبة؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٨‏/٨‏/٢٠٢٥

خطر الديون الربوية

3 👁

نرجو بيان خطر الديون الربوية وأثرها على الحياة الدنيوية والأخروية.

👤ماجد بن محمد الكندي
٢٤‏/٥‏/٢٠٢٥

الحج مع دين ربوي

4 👁

شخص عليه دين ربوي ويريد الذهاب إلى الحج، فهل يجوز له الذهاب إلى الحج وهو على هذه الحال؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٨‏/٥‏/٢٠١٢

التوبة من قرض ربوي قائم

5 👁

شخص أخذ قرضًا من بنك ربوي ثم تاب ولم يستطع سداد البنك، فهل يبقى عليه وعيد المحق والحرب المذكور في القرآن؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٦‏/١٠‏/٢٠٢٣

إمامة آكل الربا

6 👁

رجل اقترض من بنك ربوي وأحياناً يصلي بالناس مع علم بعض المأمومين بحاله، فما حكم الصلاة خلفه؟

👤إبراهيم بن ناصر الصوافي
٢‏/١٠‏/٢٠٢٣