⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن دعوة المسلم إلى الإسلام إنما هي نابعة من الرحمة التي يتدفق بها قلب المسلم ويفيض بها شعوره؛ لأنه يريد الخير للآخرين، يريد الخير في هذه الدنيا بانتظام أمورهم وسيرها وفق نواميس الفطرة، ويريد الخير في الدار الآخرة بتبوّؤ مقاعد الرحمة عند الله تعالى في جنات عدن، فلذلك يحرص على دعوة غير المسلم إلى الإسلام.
وهذا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان صلى الله عليه وسلم يتأسف أيما أسف، ويتحسر أيما حسرة عندما يواجه عتوًّا واستكبارًا وإعراضًا وصدًّا من قبل الذين يدعوهم إلى الحق، والله تبارك وتعالى عاتبه على ذلك عتابًا لطيفًا رقيقًا عندما قال له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، ويقول له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، فهو يكاد يبخع نفسه، أن يهلك نفسه من كثرة ما يحملها من الهموم بسبب إعراض قومه عن قبول دعوته.
ولكن الله سبحانه وتعالى بيّن له بأن هذا ليس من مسؤوليته، إنما هو مذكِّر: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، والله تعالى يقول له: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.
فالنبي صلى الله عليه وسلم حرص على التبليغ، وحرص على إيصال هذا الحق، وكذلك المؤمنون؛ لأن هذا السبيل الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو سبيل المؤمنين جميعًا، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ويقول عز من قائل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
وليس ذلك فحسب، بل نجد في القرآن الكريم ما يدل على أن نجاة الإنسان من الخسران إنما هي معقودة على قيامه بالدعوة إلى الحق، بجانب قيامه بما يجب عليه من الإيمان والعمل الصالح، فالله تعالى يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.